SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

المقبرة القديمة

3 min · الفصل 6/10

الصمت، حين نزل على الحافلة، بدا كأن الزمن قد توقف عند الحافة بين الحياة والموت. كان رامي يحدق في الباب، يراقب رجفة أصابعه على المقبض، فيما ظلال الأصدقاء ملتفة حوله، تتنفس الخوف وتخفيه. خارج الزجاج، انبسطت المقبرة القديمة كجرح مفتوح تحت ضوء قمرٍ خافت، يتسلل بين الأغصان اليابسة والشواهد المنحنية. بدا كل شيء هناك أقرب إلى القصاص منه إلى الرحمة.

همس يوسف بصوت مرتجف: "هذا عبث. لا أحد يخرج في هذا المكان ويعود."

ردّت ليلى، والسخرية تكسو حزنها: "تظنون أن البقاء في هذه الحافلة أكثر أمناً؟ كل مقعد صار قبراً ينتظر اسماً جديداً."

تلاشى صوتهما في الفراغ. وقف رامي، شعره الأسود ملتصق بجبهته المبللة بالعرق، وعيناه تحملان تلك الحيرة الثقيلة التي رافقته منذ الطفولة. تردد برهة، ثم اندفع نحو الباب يفتحه بقوة أشبه بالانهيار منها بالعزم.

هبطت قدماه على الحصى البارد، وابتلعت العتمة صوته. أنفاسه تتكاثف في هواء المقبرة، برده يلسع العظام. الأشجار من حوله كأصابع عملاقة، والشواهد تخرج من التراب كأنها أفواه صامتة تحرس أسراراً لا يجرؤ أحد على كشفها.

زاد خفق قلبه حتى حسبه سينفجر. وفجأة، سمعها: أصوات هامسة، خافتة، تتناهى إلى أذنيه من كل صوب. "رامي..." تلتف حول اسمه كأنها تستدعيه من الحافة الأخيرة للعقل.

توقف، عيناه تبحثان عن شيء لا يدريه. "من هناك؟" صرخ، فتردد صوته بين الشواهد، ثم عاد إليه أضعف مما خرج. أصغى، فإذا بخطى ثقيلة تقترب من بين الضباب. ظهر رجل طويل، ملامحه غائمة تحت عباءة سوداء، وجهه بلا لون، ونظراته كليل بلا قمر.

قال الرجل بصوت كصدى قبو مهجور: "أخيراً جئت، يا رامي. كم انتظرتك هنا في هذا البرد."

ارتعد رامي، لكنه تمالك نفسه وسأل: "من أنت؟ ولماذا تعرف اسمي؟"

ابتسم الرجل ابتسامة لم تبلغ عينيه: "أنا ظلّ كل ما هربت منه. هنا، حيث لا تهرب الحقيقة من أحد."

سقط الصمت بينهما مثل حائط من الضباب. نظر رامي حوله، فبدت الشواهد تزداد عدداً، كأن المقبرة تتكاثر مع كل نبضة خوف في صدره. مضى الرجل أمامه، وقاده بين الصفوف الضائعة، حتى توقفا عند شاهد كتب عليه اسمه.

اختنق الصوت في حلق رامي. "هذا... اسمي... كيف؟"

قال الظل: "كل واحد منا يحمل قبره في روحه، ويكتبه كلما دفن سرّاً أو أغلق باباً على وجعه."

جلس رامي على الأرض، العشب الرطب يلسع جلده. شعر بثقل الذكرى يغمره، وصدى صوت والده القديم يرتفع من الأعماق: "لا تهرب... كل هارب يضيع، وكل من يواجه نفسه فقط يجد الطريق."

غاص رامي في ظلاله، لم تعد الأرض قادرة على حمل خوفه الثقيل. سمع في العمق بكاء سارة، وصرخة ليلى، ورجفة يوسف، وهدير طارق المكتوم. كل صوت كان مرآة لجرح، وكل جرح باباً إلى ليل لا ينتهي.

رفع رأسه أخيراً، ونظر في عيني الرجل الغريب. تمتم: "أنا أخاف... أخاف أن أفقدكم، أخاف أن أبقى وحدي في ظلام الذاكرة."

اقترب الرجل منه، ومد يده كأنه يرفع عنه ثقل السنين. قال برقة غريبة: "الخوف ظلّك، لكنك إذا حملته وحدك حوّلك إلى شبح، وإذا واجهته مع من تحب صار جسراً للنجاة."

ارتعشت أنفاس رامي، لكن في عينيه اشتعل ضوء صغير. نهض بتثاقل، ووقف أمام شاهد قبره، ثم صرخ وسط المقبرة: "لن أهرب بعد الآن! لسنا أوهاماً، ولسنا أشباحاً... نحن جراح تمشي على الأرض، تبحث عن شمسٍ لا تشرق!"

ارتد صداه عالياً، كأن الرياح توقفت لحظة، ثم أفاق على صوت باب الحافلة يصرخ من الأعماق، وصدى أصوات أصدقائه يتردد في العتمة. التفت، وحدق في الشواهد الراكدة، ثم خطا أول خطوة في طريق العودة، وقد أدرك أن كل مقبرة في الخارج ليست إلا انعكاساً لمقبرة أخرى في الأعماق.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش