SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

وجوه من الذاكرة

2 min · الفصل 5/10

ما بين أنين محرك الحافلة وصرير الرياح خلف الزجاج، سَرت رعشة في أوصال الركاب، كأنها صدى من زمن هجرهم ولم ينتهِ بعد. كل وجه على المقعد بدا صورة باهتة، عارية من الدفء. صارَ الليل لوحة رمادية لا يكسرها إلا أعين الأصدقاء، متوجّسة تتقافز بين الخوف والتساؤل، فيما ظلّت المقاعد الخالية تبتلع العيون كهاوية عمياء تنتظر الضحايا.

أول ما لمحَ رامي وجه أمه يطلّ من الفراغ، شعر بنفسه طفلًا صغيرًا يختبئ خلف سترته القديمة. كانت ملامحها غائمة، كأن البحر غمرها بالماء المالح، وفمها يتمتم بكلمات لم يسمعها منذ سنين. شدّ قبضتيه على حافة المقعد، وهمس: "أمي…؟" لم تجبه سوى نظرة ساهمة، ثم تلاشت مع رجفة الضوء.

في الجهة الأخرى، اختلطت عينا ليلى الخضراوان برؤية امرأة شاحبة تملأ المقعد المقابل. ارتسمت في الضوء الواهن كملاك مشوه، تحمل بين يديها وريقات الرسم القديمة التي أحرقتها ليلى ذات يوم. صوت ليلى تقطّع بين شهقة وبكاء خافت: "سامحيني… سامحيني يا أمي، لم أكن أريد الهرب، لكن قلب البيت كان مقبرة…" مدت يدها في الهواء، لم تجد سوى الفراغ البارد.

في ملجأ الظلال، رأى طارق شبح وجه مألوف. كان صديقه القديم الذي خانه في ساعة ضعف، بثوبه المدرسي الملطخ بالطين، يحدّق فيه بعينين ساخطتين. انفجر طارق فجأة من صمت طويل:"أنتَ لست ظلاً! أنت الحقيقة التي أخفيتها… أنت الذي تركته يغرق في النهر، بينما هربت أنا دون أن أنقذك." ارتجفت يده الغليظة، وغمغم يوسف دون أن يدير وجهه: "كلنا هربنا، وكلنا نخفي في حقائبنا جثثاً لم تَدفن بعد."

انتفضت الحافلة فجأة، ومرّت وجوه شاحبة عبر النوافذ، وجوه أطفال ونساء، آباء وأصدقاء قدامى، كلهم يَرمقون الركاب بنظرات لا يطفئها الزمان. أحسّت سارة بأن أنفاسها تختنق، فوضعت يدها على صدرها كمن يدفع صخرة تنهار عليه. سمعها رامي تهمس: "كنتُ أظن أن الماضي يمضي… لكنه يطاردنا هنا، بلا رحمة." أدار وجهه نحوها، العتمة ترسم أخاديد الألم على ملامحها، وقال: "ربما نحن من يحمل الماضي، لا هو من يحملنا."

صمتٌ ثقيل ساد، كأن الحافلة تسير في نفق بلا نهاية. لم يعد في المقاعد ما يميز بين الحاضر والماضي. كل مقعد صار مرآة، وكل نافذة بابًا لذكرى دامية. تهشمت سكينتهم على وقع ارتجاف المصابيح، وامتزجت أصواتهم بأنين الريح: "إلى أين تأخذنا هذه الحافلة؟" تساءلت ليلى، نظرتها تائهة، فيما أجاب يوسف: "ربما إلى حيث لا أحد يريد الذهاب، إلى قلب الحقيقة التي هربنا منها طويلاً."

لم تكن الأجوبة سوى صدى للوجع، يحملها الهواء البارد كغيم أسود. في تلك الليلة، لم يعد أحد يجرؤ على النظر في عيون الآخر. صار كل منهم سجين وجه من الذاكرة، يحرسه الندم، وتؤنسه الخسارة. في الحافلة رقم ثلاثة عشر، ساد صمت يشبه النهاية، وراح كل منهم يتهجى فجيعته كأنها النشيد الأخير قبل السقوط.

وبرغم كل شيء، ظل لهم في حطام الليل ومهب الذكريات، شعورٌ غامض بأن النجاة لا تعني الهرب، بل مواجهة ما ظلوا يفرون منه منذ البداية.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش