ممر الذاكرة
3 min · الفصل 7/10
حين عاد رامي إلى الحافلة، كان الهواء فيها أثقل من الرصاص، يكاد يخنق الأرواح المعلقة بين الرجاء والسقوط. عيون سارة كانت محمرة، وفي نظرتها ارتجاف لم يعتده منها من قبل. يوسف يطأطئ رأسه مثل جندي مهزوم، وليلى تعض على شفتها في صمت، كأنها تخشى أن ينفجر قلبها لو تكلمت. وحده طارق جلس في الظل، عيناه تلمعان بوميض غامض، كأن داخله نار لا يريد لها أن تنكشف.
تحركت الحافلة، وانسحبت خلف النوافذ ظلال المقبرة كوشمة سوداء على صفحة الذاكرة. لم يعد أحدهم يعرف: أهي الرحلة إلى النجاة أم الهلاك؟ وفجأة، انغمسوا جميعاً في سواد النفق، ممر الذاكرة الذي لا يشبه طرق الدنيا. امتدت ظلال المقاعد حتى تلاشت حدود المكان، وصار الهواء يرتجف بأنفاس باردة، تختلط فيها رائحة التراب برائحة الخوف.
همس يوسف، وكأنه يحدّث نفسه: ـ "هل هذه نهايتنا؟ أم بداية جحيم آخر؟"
قالت سارة، بصوت خافت كأغنية حزينة: ـ "إنها الذاكرة... هنا لا يمكننا الهرب يا يوسف."
في تلك اللحظة، انبعث من الممر نور خافت، راح يكشف عن أشباحٍ تظهر ثم تتلاشى. لم تكن صوراً جامدة؛ كانت لحظات عاشوها ذات زمن، تعود الآن بأسنانها الباردة لتنهشهم. رأى رامي نفسه طفلاً يختبئ خلف جدار، يسمع صراخ أبيه وتهشم الأشياء. انكمش قلبه، وهمس: ـ "ما زلت هناك... في تلك الليلة... لم أخرج منها أبداً."
امتدت يد سارة تلقائياً نحو رامي، لكن ظلّ أختها الصغرى ظهر أمامها، وجهها شاحب وعيناها دامعتان. ارتجفت سارة وصرخت: ـ "سامحيني... لو كنت أعلم لما تركتك وحدك!" انطفأ الظل فجأة، تاركاً خلفه برداً غامراً.
انتفضت ليلى من مكانها، يغمرها ضوء أخضر عابر. كان والدها يقف أمامها، صلباً وحاد النظرات، يكرر: "لن تكوني شيئاً... لن تسعدي!" صرخت ليلى، وصوتها ينزف ألماً: ـ "أنا لست فاشلة... أنا فقط خائفة! أخطأت، نعم... لكنني لم أكن أريد إلا النجاة."
أما طارق، فظلال الماضي حوله أشرس. ظهر صديق الطفولة الذي خانه، وصوت أمه يضيع بين شقوق الذاكرة: "عدتَ متأخراً يا طارق... فات الأوان." لم يكن طارق قادراً على الكلام، ووجهه صارحاً الألم، دمعة واحدة لم تسقط، لكنها خنقته.
خيم صمت ثقيل. وحدها الحافلة تئن فوق قضبان الذاكرة، تقتلع من كل واحد جرحاً دفيناً وتعرضه للضوء. بدا وكأن الاعتراف هو الممر الوحيد للعبور، وإلا ظلوا هناك، بين أنياب الذكرى.
قال يوسف فجأة، بصوت مرتجف: ـ "لقد كذبتُ حين قلت إنني لا أبالي... الحقيقة أنّني ضعيف. أخاف الفقد، وأخاف أن أكون بلا جدوى."
تبادلت العيون نظرات مبللة بالمرارة. حينها غنت سارة بصوت خفيض، أغنية كانت ترددها لأختها القديمة: "نامي يا صغيرة، فالعالم ليس لنا..." انهمر الدمع من عينيها، فضمها رامي، وهمس كما لو كان يوقظ نفسه من الحلم: ـ "لا نجاة دون صدق. لا نور في آخر النفق إلا لمن يعترف بذله وخوفه."
توقفت الحافلة فجأة، كأنها توقفت عند حافة الحقيقة. خارج النوافذ، كان هناك ضوء خافت، وأصوات بعيدة تشبه رجع الطفولة المنسية. أحس الأصدقاء أن شيئاً فيهم قد انكسر، أو ربما تفتح جرحه كي يلتئم أخيراً. في ممر الذاكرة، لم يبقَ لهم سوى مواجهة أنفسهم، حيث الاعتراف وجعٌ، ولكنه الطريق الوحيد للمضيّ قُدُماً.
في لحظة نادرة اختلط فيها الحزن بالعزاء، أدرك الجميع أن الخلاص لا يكون إلا بالمرور من جحيم الذاكرة. ففي كل جرح متروك يرفرف ظلُّ حياة أخرى لم تكتمل، وفي كل اعتراف يلمع رماد أملٍ قديم، ينتظر أن ينبعث من رماده… إذا تجرؤوا.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش