SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

اللعنة

2 min · الفصل 8/10

سكنت الحافلة كما يسكن الرماد بعد الحريق؛ مقاعدها، نوافذها، حتى هواءها صار ثقيلًا، مشبعًا برائحة العجز واليأس. لم يعد من أثر للزمان خارجها، وكأن الطريق قد تلاشى، وانمحى الجبل وراء ستار رمادي لا ينفذ منه سوى رجع الصمت. صارت الأنفاس متقطعة، وكل واحد من الأصدقاء يحدق في رفيقه وكأنه يرى غريبًا للمرة الأولى.

رفعت ليلى يدها المرتجفة تمسح الزجاج المبتل، فلم ترَ سوى وجهها يطفو بين الظلال. قالت بصوت مبحوح: ـ هل ترون هذا؟ نحن لا نتحرك… وكأننا عالقون في حلم سقيم. تنهيدة ثقيلة خرجت من يوسف، ألقى نظرة على المقاعد الجامدة، ثم قال: ـ الحلم له نهاية. ما نعيشه الآن لعنة… لعنة من نوع آخر.

تبادلوا النظرات. سارة تهمس: ـ يبدو أن الحافلة تبتلعنا شيئًا فشيئًا. أشعر أنني أنسى ملامح أختي… أخشى أن أفقد ذاكرتي للأبد. أجابها رامي، بنبرة تصالحها المرارة: ـ ليست ذاكرتك وحدها، بل أرواحنا ذاتها تتآكل.

في الخلف، تحرك طارق أخيرًا. كانت عيناه غائرتين، وصوته يخرج من هوة بعيدة: ـ هل لاحظتم الركاب الآخرين؟ وجوههم بلا تعبير، عيونهم مفتوحة لا ترمش. اقترب يوسف من مقعد أحدهم، همس: ـ هؤلاء سجناء! سقطوا في الفخ قبلنا… بقوا هنا لأنهم لم يستطيعوا مواجهة أنفسهم.

انسلّت ليلى إلى جوار رامي، تشد على يده كأنما تستنجد بآخر خيط من الدفء. همست: ـ لماذا نحن؟ ما الجريمة التي اقترفناها لنستحق هذا المصير؟ هز رامي رأسه، يطارد الجواب في الفراغ: ـ ربما لأننا كذبنا على أنفسنا طويلاً، وتظاهرنا أننا بخير، بينما الحطام يزداد في الداخل.

ساد صمتٌ مشوب بالرهبة. خارج الزجاج، تلاشت أي حركة، وصارت الحافلة جزيرة مهجورة فوق بحر من الدموع القديمة. فجأة، بدأت علامات غريبة تظهر على بشرتهم: خطوط سوداء تمتد في راحاتهم، دوائر تتسع حول أعينهم كلما ازداد الخوف.

صرخت سارة فجأة، تضع يديها على وجهها: ـ إنظروا إلى يدي! كأنها لا تعود لي! أجاب طارق، صوته أجوف: ـ إنها اللعنة… هكذا تبدأ. القلوب التي لا تعترف، تتحجر ثم تذوي.

تساقط الأمل من أعينهم كسقوط أوراق الشتاء. لم يعد في الحافلة سوى صدى أنين مكتوم، ورائحة قهر تتصاعد من المقاعد البالية. رفع يوسف رأسه، يهمس: ـ أظن أن النهاية ليست الموت، بل النسيان. أن نبقى هنا بلا ملامح، بلا ذكريات… سجناء أنفسنا إلى الأبد.

تصدعت نظرة رامي، رأى والده في الزاوية، عينيه مطفأتين كما في ليلة الفقد الأولى. مد يده، صرخ في الظلام: ـ لا أريد أن أنسى… حتى الألم أهون من الفراغ.

تقاربت الوجوه، التصقت أيديهم في دائرة مرتجفة، يحاولون استحضار بقايا دفء إنساني، لكن العتمة تزحف بلا رحمة، واللعنة تكتب أسماءهم على جدرانها الصدئة. ليلى تبكي، سارة تهمس دعاءً يضيع مع الريح، يوسف يبتسم بسخرية ممزوجة باليأس، وطارق يشيح بوجهه كي لا يراهم يذبلون.

وفي خارج الزمن، تحولت الحافلة إلى سجن الأرواح، حيث لا صباح يرتجى، ولا طريق للخلاص… هكذا تبدأ اللعنة، من قلب الحقيقة التي لم نجرؤ يومًا على مواجهتها.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش