لعبور الخطر
8 min · الفصل 4/5
لم يكن الليل في قرية المنحدر الرمادي سوى وشاح كثٍّ يتدلّى من أعتاب الكبرياء المنسي. تراقصت نجمة هاربة وحدها، مائلة فوق جرف المصطبة السوداء، ذلك المكان المحظور الذي ظلّت تحذّر منه الأمهات وتلعنه الأساطير في جنح الحكايا. هناك، في ذلك الصّمت المسكون، وقف يزن أشبه بظلّ فتى غادر ذاته، تتنازعه الخطى والريبة والمُحال.
اقتربت حواف الجرف شيئًا فشيئًا… كانت تدعوه صفية، ضوءها يترقرق بعيدًا في عتمة المصطبة السوداء كما لو أنّ قمراً خفياً منحته الصدفة وشاحاً من ورد الوزع. لمح عينيها فوق سطوح الظلام، تناديه من ضباب الفراق: – "يزن… ألن تغادر عباءة الخوف؟" تضطرب نبرتها، بين الحنو والفتنة، وبين وعدٍ لم يُكتب له اكتمال.
تجمّدت أنفاس يزن. من خلفه، سال خطٌ واهن من الدمع على خدّ أمه سهيلة، المتربصة عند عتبة الحنين. لم تجرؤ على الاقتراب أكثر، لكن صوتها انسكب كرجع دعاء: – "لا تبارح الدرب، يا بني… الظلال تأكل مَنْ يسهو في الوهم." بين ذراعيها تُقبض شالاً رثًا، فتبدو أصابعها متكالبة على ما تبقّى من أمان؛ تُحدق في هيئة يزن وظهره ينقلب للطريق، وكأنّ قلبها يهوى معه في هوّة لا قرار لها.
لكن الجرف هو الآخر اتّشح بعباءة المكر؛ صخور سوداء متآكلة تنزف الندى، وصمتٌ كريه يوقظ سماع القدمين. ارتجف الهواء حول يزن بحفيفٍ خافت، كأنّ أرواحاً غابرة تتنشق خوفه وتغتذي به. وبينما خطا بقدم مترددة نحو المصطبة، أحاط به همسٌ لا يُرى: – "اقترب… لم يبق سوى خطوة من عبورك بين العمرين." أهو صوت صفية أم صدى الحلم العتيق العالق في تجاويف اليقظة؟
رفع يزن رأسه، عيناه غارقتان في وهج وجهها الغامض، وشعره مرميّ على جبهته مثل دمعة ملتفة. في تلك اللحظة، احترق داخله شيء يشبه أول انكسار، وتاهت الأصوات كلها في مشهد واحد: صفية تمدّ يدها إليه، والندى الأسود يلتمع على الكفّ كنجمة مرتجفة بين عتمتين.
قالت، بصوتٍ أرقّ من نسيم الأودية: – "كل ما تبحث عنه ينتظرك هنا، حيث لا يسبقك أحد ولا يلحقك ندم." في عينها ومضة انسحبت منها المعاني – جمرٌ خفي يُشعل فيه رغبة لم يعرفها من قبل.
خلفه، كانت الريح تعبث بشرفة كوخ والديه، تهز الستارة المتهالكة، فتتشبث الأم بالنافذة رمقًا أخيرًا. صرخت سهيلة، والصدى يحبو في الريح: – "يزن! عُد! أوصيك بألا تغفل عن حبنا…!"
لكن وقع أقدامه كان قد بدأ يخفت على الحصى الأسود، يبتلع الجرف ظله رويداً رويداً، ويمتد الفاصل بينه وبين صدى العالم، فاصلاً كل نبضة بين الرجوع والانجراف.
في تلك الساعة، انتفض قلب يزن بين نداءات الصفاء وجحيم الخوف، وتعلّقت روحه فوق هاوية لا تُرى. هدأ الليل من حوله، إلا من صدى ضحكة خافتة… ضحكة صفية، تتسرب إليه من عمق البراح ـ في انتظار التالي.
كانت الرياح تئن في جوف الجبل، كأنها هواجس تُصفِّر في آذان الهاربين من قدرهم. مشى يزن متعثّر الخطى، يُنصت لوقع قلبه قبل وقع أقدامه، وكلما اقترب من شفير الجرف، انمسحت معالم العالم القديم خلفه كحلم يتمادى في الغياب. بَرودة الليل تسلّلت تحت ثيابه، سَحَبت عروقه وأيقظت فيه ارتجافاً لم يعرفه من قبل، فكأن الهواء متخمٌ برمادِ أجدادٍ لا ينامون.
كانت الأرض تحت قدمه قاسية سوداء، لكن خطاه تتبع ظل صفية، تتكوم على طرف صخرة ملساء، ممدودة الأطراف كنجمة اقتُلعت من مدارها. لم يكن يرى سوى وجهها المتبدّد، شعرها ينثال فوق جُرح الريح، وعيناها تحتويان موعد صاعق، لا يُعرف له وجهة ولا حدّ.
قالت، ولم تحرّك شفتيها: – "أترى…؟ هنا يجفُّ الخوف، وينبت بين جنبيك جناح. اقترب، فكل نبضة تناديك!" في تلك اللحظة، شعر يزن أن صوته انقسم بين أن يعود ويتكور في حضن أمه، أو يبقى هنا، عند الثغر المخيف بين الأرض والهوة.
من كوخ الوالدين، لم يصل سوى رماد الضوء. كانت سهيلة تبكي، صوتها افتتح السماء بأنين دامع يرتعش في الريح، يسعى أن يفتح طريقاً لقلب ابنها، لكنه لا يقدر أن يتحايل على السحب الهاربة. سمع يزن اسمه ملفوظاً بين الحجارة، كأن القرية كلها تدعوه إلى التراجع، إلى الدفء القديم والأمان المعلّق فوق أكتاف الخائفين.
صفية تبتسم برقة مرهفة، لكن في عينيها يقين لا يعرف الرحمة. مدّت يدها، كأنها تحمل إليه خلاصاً أو هلاكاً في آن. قال يزن، وهو يمسح بأصابعه عرق جبينه: – "إلى أي حدٍ سأظل ممزقاً، هل الخلاص في المضي أم الهلاك في العودة؟" أجابته، وصوتها خفيض كأنما يأتي من عمق الجرف: – "حين تعبر خط الظلال، لن يعود الوراء ممكناً، ولن يكون للماضي سوى اسم قديم."
بدأ الضباب يتكاثف حول المصطبة، يتحوّل إلى أذرعٍ رخوة تحاول شدَّه من معصمه. شعر أن الجرف يناديه، أن صدى خطاه صار نُذُراً ترتعد لها روحه. هناك، بين صمت صفية وصوت أمه المتداعي في ملكوت الريح، بدا له المشهد كله قاعة انتظار هائلة لا تنتهي.
كان قلبه يضرب، يضرب حتى كاد يسمعه الحجر. لم تبقَ من القرية إلا أطيافها البعيدة، ومن العالم إلا رائحة الحطب وضحكة طفولة ضاعت في مساءات الماضي. الشمس الآن خط أصفر مائل، والسماء عمياء سوى من هذه السحابة التي تحمل وجه صفية وأحزان سهيلة معاً.
خطا خطوة، فاشتدّت الريح فجأة، وارتفعت صرخة بعيدة؛ صوت سهيلة أو سخط الجبل نفسه. تقدمت صفية حتى صارت على مقربة منه، وضعت يدها على صدره، فخفق قلبه خفقة لم يعهدها، كأنما انفجر في عروقه توهج لم تعرفه البلاد.
قالت بنبرة فيها وعد ووعيد: – "كل ما تريده على الجانب الآخر، لكن عليك أن تدفع بثمن الذكرى." تجمّد يزن، بين ظلال أبويه يخاتلانه من البعيد وحرارة يدٍ ليست من عالم البشر.
في تلك اللحظة، بدا الجرف وكأنه يقترب، يضيق، حتى أصبح هو وحده فاصلاً بين النداء والرحيل. ارتجف الهواء، وسكن كل شيء. فقط عينا صفية بقيتا تنضحان بالنور الجامح، وبريق وعد لا يُطفأ.
رفع يزن رأسه إلى السماء، لم يكن هناك قمر. فقط شرارة بعيدة، تومض شوقاً وخوفاً معاً. وكان الليل يُطبق، والقرار معلقاً بين جناحيه.
هناك، على حافة العبور، توقّف الزمان. انتظر الجرف زلزال الخطوة، وانتظرت صفية رعشة القرار، وكأن العالم محتوم أن يتوقف عند نبضة واحدة، لا تنتهي.
دفعت صفية بكلماتها إلى صدر يزن كسياط تترك الندبة في الروح، بينما ظل الليل حول الجرف ثقيلاً، مُضرَّجًا بوحشة لا توصف. لم يكن ثمة صوت سوى رفرفة قلبه حاول أن يخرق صمته المطبق. لمحت يدها تقترب، لا تُمسك بشيء لكنه شعر بأن أصابعهما نُسِجَت في فراغ، خيطاً من برقٍ أسطوري فوق الحافة بين فقدٍ دائم ووعد لا يتحقق.
همست صفية، وصوتها ينحدر كالماء في مغارة الذكرى: – “ثمن الذكرى هو ما تخلفه وراءك. إن اجتزت الجرف، لن يعود هناك باب لغرفتك، ولا لصوت أمك عند الفجر، ولا لدفء موقدك حين يهمي المطر. الحب يا يزن، قارب يسلب الشواطئ القديمة.”
ارتجفت ركبتا يزن، نظر إلى الوراء فرأى ضوءاً شاحباً يتسلل من أفق قرية المنحدر الرمادي، كأن القرية تراقبه بعين واحدة باكية. بانت صورة أمه سهيلة في البعيد، ذراعاها ممدودتان فوق أعتاب الكوخ، يكاد يسمع نداءها وهو يرتج في صدره نذير فقد لا يُحتمل.
تساءل بصوت منكسر: – "وهل أعود إن أردت يوماً يا صفية؟" فابتسمت ابتسامة من يعرف أن لا رجوع بعد العبور، وقالت: – “لا باب في الضفة الأخرى إلا للغياب. عبورك هو ولادة جديدة، والأمومة لا تحتمل طفلين في عالمين.”
في تلك اللحظة، هبط سكون كثيف كأن الزمان انقلب وتوقف. بدا الجرف أسود قاتماً، تعرج من تحته ظلال تشبه بقايا أغانٍ حزينة سقطت ذات ليل بعيد… سمع خطى أبيه جميل في خياله، ثقلها المعهود فوق بلاط الفقر، وغلظة حنانها الذي لا يحسن الإفصاح، وحدس في عيني الأب دمعاً قديماً لا يغفر الخيانة للذاكرة.
لم تصرخ صفية، بل مدت يدها أكثر في الاتجاه المعاكس للقرية، هناك حيث السهول بلا اسم، وبراح الأحلام الجوفاء يناديه، في عبور أشبه بموت صغير أو ولادة مؤلمة. رأى وجهها يطفو كقمر رمادي بين الغيوم… لا يُطمئن ولا يُخيف، لكن قواه تضعف، كأن الحنين يسحبه من قدميه ويزج به إلى حضن العدم.
تقدّم خطوة، انفجرت الأرض تحته بلعنة التردد. رأى صورته طفلًا يتسلل ليلاً إلى فراش أمه، يبلل الوسادة بدموع صغيرة ويحلم بأن الغد أكثر دفئًا. التفت لكنه لم يجد سوى الضباب، كل شيء في قريته صار أبعد من أن يُمس. قال لنفسه: "أتبع الحلم، أم أحرس حزن أمي؟" ولكن اليد الأخرى، يد صفية، ظلت تصرُّ عليه: – “اختر، فما من انتظار على الحافة إلا أكل صاحبه من قلبه وجعًا.”
شعر يزن حينها بثقل جسده يتوزع بين عالمين. رأى في عيني الجنية نفسها المعذبة، عرفت الأحزان نفسها كما عرفها، لكنها تبتسم، تهديه حبًا لا يسأل عن ماضٍ أو ميراث. كانت وعدًا للحرية وعقابًا للفقد في آن.
صاح قلبه بنداء أخير: “أمي… أبي…” لم يكن الجواب إلا الريح تهيم فوق جرف المصطبة وتذر ما تبقى من طفولته كأنها رماد لا يُلملم.
أطرق يزن رأسه، جمع بقايا الشجاعة من شقوق روحه، ورفع قدمه إلى الفراغ. في اللحظة التي مدّ فيها خطوته، انفتحت الدنيا على صرخة صامتة: فقدت الأرض صلابتها، وسقطت كل الأصوات من حوله.
تسلّل إليه دفء غريب، جديد على كل ما عرف… كان بين يديه وعد بالحب، وبين كتفيه نصل القطيعة. وفجأة، قبل أن يكتمل عبور الجرف، التفتت صفية إليه، وانعكست في عينيها صورة منزله العتيق، أمه الوحيدة، طيف أبيه الواقف خلف النافذة.
قالت بنبرة لها طعم الشجن والجدب: "إن أحببتني حقًّا، فخذني مع ماضيك، أو ودّع حاضرك إلى الأبد."
حينها فقط أدرك يزن أن ثمن الذكرى ليس النسيان وحده، بل الإخلاص لما كان، حتى لو احترق بنار الغربة.
في المسافة بين الحلم والهوّة، وقف يزن وقد أصاب قلبه رجفٌ لا يهدأ. سقطت دمعة واحدة، خرساء، على تراب الجرف. في الأفق، بدأ الفجر يشق رمادات الليل، كأن البلاد كلها تنتظر قراره الأخير.
وهكذا، على شفير العبور، ظل يزن واقفًا، نصفه في يد صفية ونصفه عالق في الجذور، مركونًا للألم الجميل، يتهيأ لسؤال الفصل القادم: أي قلب يُسمح له أن ينجو إذا فُتِح له باب الفقد، وكم من الأحلام تكفي لتبرير الخيانة الأولى؟
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش