مواجهة الهوّة
9 min · الفصل 3/5
كان الفجر يختبئ هاربًا من نافذة غرفة يزن، يرتعش الضوء بين شقوق الخشب العتيق، ويمتدُّ كأنفاس ضائعة فوق جسد الفتى المنكمش في فراشه. هناك، في قلب السكون، تشابكت أصابعه بحنان متوتر حول وسادته، إذ لم يخل النوم من ظلها، ولم يبرح وعود صفية عن حافة عينيه، وهي تعلقه بين السهو والرؤيا. كل التفاصيل في الغرفة بدت أكثر ثقلاً هذا الصباح؛ حتى أن الحائط الدائري تَضَخَّمَ حوله كصدرٍ يحتضن الخوف ويمنع عنه نسمة الأمان.
صوت خافت تصاعد من المطبخ، أصوات أوانٍ تتهامس فوق الرمل، وصدى خطوات الأم سهيلة يذوب في الحائط. ظل يزن ممددًا، كأنما النهوض خيانة لعالمه الهش. لم يشأ أن يغادر ظلال الحلم، حيث صوت صفية يأتيه كترنيمة ماءٍ بين الصخور، لكنه لم ينمْ حقًا؛ كانت عيناه تسبحان في فضاء سقفه المائل، بين غيم أسود وفكرة معلقة: هل كان كل ما جرى وهْمًا، أم أنّه بدأ يتحسس حافات العالم الآخر؟
انفتح الباب فجأة، وصاح صوت جميل الأب من الطرف: ـ يزن! قمْ... تأخرتَ. ألا يكفي ما حبسته الليالي في رأسك من هذيان؟!
ارتجفت أنفاس يزن، التفت ببطء نحو والده، لمح في هيئته سحنة الصخر وفجوة العجز، ذلك الانكسار الذي يتسلل في صوته رغم صلابته. وقف جميل عند عتبة الغرفة، عينيه تشتعلان قلقًا وعزمًا بلا سند، يتصارع فيه الغضب مع الرحمة.
اقتربت سهيلة في أثر زوجها، مسحت بيدها شعرها المنكوش، وارتفع صوتها متوزعًا بين تحنانٍ وتهديد: ـ ابنك غريب، يا جميل... الليل يسرق عينيه، والصبح لا يعرفه من طيفه. أهذا ما وعدتنا به الأيام؟ جنية تلهو بروحه بين اليقظة والجنون؟
تأمل يزن وجهيهما، أراد أن يشرح، أن يقول شيئًا عن النور الذي زاره، عن الدفء الهارب من لمس صفية، لكنه ابتلع الكلام. كل كلمة بداخله تذوب تحت صعوبة التفسير، وتُثْقل لسانه صورة صفية وهي تبتسم له من وراء الضباب.
قال جميل بحزم، يطرق الأرض بكعبه ليخفي قلقه: ـ لا حول ولا قوة إلا بالله... لن أسمح لهذا العبث أن يستنزفك أكثر. اليوم ستخرج للعمل معي في الحقل، علّ لطمة التراب تعيدك إلى منبتك.
تجمدت الكلمات أرجاء الغرفة، وتناوب بين جدرانها صمت يسابق الرجاء المنكسر في عيني الأم. اقتربت سهيلة وجلست جوار ابنها، أمسكت يده المرتعشة وقالت برفق دامٍ: ـ يا ولدي... كل الأمهات تخاف من الجنّ واللصوص، وأنا أخشى أن يسرقوك من بين أصابعي، أن ينفذ الغريب من ثقب حكاية ويختطفك إلى ظلامٍ لا أعرف كيف أعيدك منه...
رمقها يزن بنظرة قلقة، وهو يحسّ الطين يلتصق بروحه، يشده نحو الخارج بينما يجرّه وعد الجنّية إلى الداخل. لم يعرف أيّ جرح فيه أليق بالشفاء، وأيّهما أجدر بأن يبقى علامة أبدية.
وقف جميل أمام الباب، وعيناه ما زالتا تعبّران عن رهبة فزع لا يرسو: ـ الْبَسْ ثيابك، ولا تتأخر. الشمس لن تنتظرك، لا أنت ولا أحلامك المريضة!
امتدت يد الأم تمسح وجه يزن، فتشعر بحرارة جبينه وارتعاش جلده، فتُحْكِم قبضتها عليه وكأنها تخشى أن يذوب بين يديها كما يذوب الحلم مع أول ضوء.
هناك برهة صامتة، تبادلها الفتى مع أمه، فيها عشق قديم ووعد لم يفي به الزمن، قبل أن ينزع جسده من سريره، يتطلع إلى النافذة حيث طرف السماء يشرق ببرود، وتلوح في الأفق خيوط الضباب التي جاءت منها صفية يوماً.
في تلك اللحظة، شعر يزن بثقل الهوّة داخله يتسع، ينهش يقينه ويتركه نصفاً من طين الأرض ونصفاً من رماد الحلم، يتأمل كيف سيحتمل جسده نداءين متناحرين: واحد من الحقل قرب أبيه، وآخر من البرزخ الغامض حيث تسكن محبوبته الجنية.
خرج جميل من الغرفة، وفتحت الأم يديها تطوق ظهر يزن في صمت، فبقي لحظة بين ذراعيها، يستمد من دفئها سكينة لا تلبث أن تفنى في وجه جفاف اليوم القادم...
وما زال في الأفق سؤال معلق، يقطر بين السقف والنافذة: إلى أين يمضي القلب إذا التهمه ظمأ الحنين والرهبة معاً؟
… انسلَّ يزن من حضن أمِّه، يحمل دفْء ذراعيها كما يحمل المرء خيطًا من ضوء وسط عتمةٍ لا تهدأ؛ سارت قدمُه كأن الأرض تخشى أن توقظه بجرحها أو برودتها، يراقب الظلال تفر من تحت قدميه كلما تقدَّم ناحية الباب الخشبي المهترئ، الذي يفصل الكوخ عن ساحة الصباح المُغبرّ. خارج ذلك الباب، كان برَد الفجر يلسع الأصابع ويُردي العينين في غضون رمشٍ ببُخار الندى المتراكم على حواف الأعشاب.
لفحته الرياح، فعاد يلتفت إلى الداخل لحظةً، عسى أن يرى وجه أمه من فرجة الباب، لكن الأم انكمشت في ظل الغرفة، وجلس جميل يشحذ صمته جوار الموقدة، كأن كل كلمة تخرج منه تلزمه بضريبة من العمر.
كان على يزن أن يدخل في يوم عاديّ آخر، لكن نبضَه كان يطرُقُ عليه صوتًا بعيدًا لا يشبه أصوات البشر، ولا حتى أشجان الحقول وصرير الغربان. كان ذاك الصوت، الذي لا يسكن الأرض، ينسلُّ في عظامه خفيفًا كغمام، مرعبًا كالنبوءة. رآه يتطاول من افتراضات صفية، من رغبةٍ مبهمة تجذبه إلى جهة الجرف حيث ينفلش العالم على شفير المجهول.
تثاقل الخطى نحو البئر، حيث يجتمع رجال القرية كعادتهم مع أول الضوء، تتهامس همومهم حول صرير الحبل وصفير الرياح يدور بين أكتافهم. لم يكن يزن واحدًا من جماعة البئر أبدًا، لكنه اقترب اليوم وهو يحمل في قلبه سؤالًا متصاعد اللهب، كأنما يبحث عن ظلٍّ للنجاة أو ذريعة للهروب.
ألقى عليه الرجال نظرات متباينة، فيها فضول غامض وحنق مكتوم. بعضهم يغمغم بأحاديث عن مس الجن وعن خطايا الشغف التي لا تغتفر، والآخرون يغضون الطرف كأنهم يتوقعون أن يتعرّى الحلم على وجهه في أي لحظة. أحسَّ يزن أنه أصغر من صوته، وأن قلبه يتقلص في مساحة يده حين رأى أباه يدنو من البئر، يحمل دلو الماء ويقطب جبينه، يطالع ابنه بنظرة فيها شدة المحبة وخوف الفضائح معًا.
قال جميل وهو يمسح عرق التعب عن جبهته: “هيّا يزن، لا مكان اليوم للأحلام. الحقل ينتظر وأمك تنتظر، وأنت في سباق مع نفسك.” ثم خفض صوته همسًا، كأن الحقيقة جريمة بينهما: “دع عنك خرافات الليل واهتم بما لنا في الشمس.”
تردد يزن قليلًا؛ كان الظل الذي خلفه ثقيلاً كأن الضباب ينمو من عظامه، لكن خطوات أبيه في التراب صارت إعلانًا قاطعًا: “اتبعني، لا حاجة إلى القلق.” مشت أصابعه المرتجفة تلامس السور الحجري في طريقهما للفلاة، فيما عقل يزن يحفر في جدارين متضادين من الحنين والرعب، بين قلب أمه المستيقظ وجنون صفية الذي يضني روحه بثقل الوعد.
السماء تغبرُّ فوقهما. رائحة العشب المبتلّ تصفعهما مع أول زخم الشمس؛ الحقل ممتدّ كجسد جريح، ينتظر يدًا تسقيه وتداويه من السأم. كان جميل يمشي أمامه مثل جبل، لا يرى في الخطى إلا واجبات الرجال، بينما يزن يجر نفسه مجروراً بحبل حزن خفي، ينظر بين فسخات التراب ويمتد فيه ذلك الشعور الأبدي بالفقد.
كلما أوغل في الأرض، سمع الصفاء النفّاذ يزداد صخبًا في أذنيه؛ نداء صفية العذب يطل من فجوة الذاكرة، يغويه أن يبتعد قيد لحظة عن والده وعن الحقل، كي يعيش هناك حيث الضباب يصوغ جوهر الأشياء على طريقة الجنيات. كانت خطواته تتباطأ فجأة، يسائل الأرض إن بقي فيها له مكان، فيما الخيال يسرقه صوب الحافة حيث المصطبة السوداء تلوح كصخرة القدر.
توقف جميل يلتقط أنفاسه. التفت إلى يزن، فوجد الإبن شاحب الوجه، عيناه مغروزتان في الأفق الشارد وراء أعمدة الدخان. سأله وملامحه مخضبة بالكلال: “هل أنت هنا يا بني، أم في عالمٍ آخر لا يفهمه أحد؟” سكت يزن. مضت لحظة بينهما، لا صوت فيها سوى رجفة الريح وصوت قلبه وهو يشتدُّ خوفًا وحنينًا في آنٍ معًا، كمن يقف بين شاطئين لا قرار للبحر بينهما.
في هذه البرهة، شعر يزن بأن جدران جسده بدأت ترشح بالبرد. شعره يلتصق بجبينه، وراحتاه تتسعان بحثًا عن حرارة ما، بينما العالم يدور حوله في بُطءٍ ساحق. شد جميل على كتفه بعزم، وفي العيون توسل بلا كلام: “لا تذهب، لا تتركنا وحدنا...” غير أن في صدر يزن صيحة أخرى، غائرة، لا يسمعها أحد سواه.
هناك، على حافة السهل، كان الضباب يتكاثف من جديد، كأن صفية نفسها تتمطى وتلمح له من بعيد. كأن الهواء هناك يتلو تعويذةً لا ينكرها سوى من جفّت روحه أو غرق في العادة. ازدادت الهوّة في نفسه عتمةً واتساعًا، وتداخلت أصوات الحاضر مع همسات الحلم حتى لم يعد يفرق بين النداءين: أيمضي خلف قلبه المنخور بالحنين، أم يمكث، كما يريد والداه، في ظل الحقول اليابسة؟
وبينما الشمس ترتفع وتدفع الغيم بعيدًا، وتبدأ أجراس الحياة تدور في القرية، ظل يزن واقفًا على حافة الصحو والنوم، يترنح بين ضوءٍ لا يدفئ وضبابٍ لا ينجلي… وكل شيء فيه كان ينتظر تلك اللحظة، اللحظة التي تنكسر فيها الدائرة إلى ما لا يعلم أحد.
… تمدد الظل على السهل، رقراقًا كمن يتهيأ للرحيل، بينما تغمر أنسام الصباح البارد أنفاس يزن وتوقظ فيه ارتجافة لا يعلم أصلها: أهو رهبة الرحيل، أم قرب المواجهة؟ سمع من وراءه صدى صوت أمه، سهيلة، يتمزق في الريح: “يزن… عد، يا بني!” ترددت الكلمات في صدره كصدى حطّم الطمأنينة. لكن قدميه كانتا قد فقدتا الاستقرار الطفولي؛ باتا خفيفتين، كأن الريح وحدها تدفعه إلى المدى، إلى تلك الحافة التي هاجر نحوها حلمه كل ليلة، وعاد منها دمعًا في طرف عينيه.
همس قلبه بنداء لا يجرؤ على البوح به. حمل حقيبته الصغيرة، تلك التي خيطتها أمه ذات شتاء طويل، وخرج. كل خطوة مفعمة بارتجاف بين أشواك الحنين ووجع الشك. رائحة التراب المبتل، ذلك العطر الأول الذي حفظه من أقوال أبيه في الحقول: “الأرض وحدها لا تخون.” لكن في لحظة الوداع غمرت قلبه غيوم الكلمات غير المنطوقة، وتذكّر يدي والده وهما تهويان في المساء على جذع الحطب، الذكرى الأخيرة التي سيحملها معه، مهما ابتعدت المسافة.
اقترب من جرف المصطبة السوداء، المكان الذي يفصل شحوب القرية عن ما وراء الضباب. هناك، كانت الصفحات القديمة لأحلامه تهتز. مع كل رمشة عين، ظهرت صورة صفية: وجهها الغامض يتلاشى في خيوط الضباب، يلوّح له بنداء يشبه البكاء، يشبه الضحك، يشبه صوت المطر حين يقرع زجاج النافذة في عزّ الليل. وسمع همسها: “يا يزن، تعال… العبور لنا، لنا وحدنا…”
الحقل خلفه، والكوخ، وسرير الطفولة، وصوت أمه، والحياة كلها المُعتادة اختلطت في داخله بضوضاء قلب يرتجف رغبة ورهبة معًا. تقدم خطوةً نحو حافة الجرف. الضباب اشتدّ، كأن غيمة قُدّت من أنفاس الجدات وأماني الأطفال المفقودين حملته إلى حيث لا يسمع أحد سواه نداء الحنين.
في تلك اللحظة، انشطر داخله ما كان يظنه سدًا صلبًا. اكتشف أن الخوف والرجاء وجهان لظلٍ واحد. سمع في نفسه صوت والده ينهره: “لا تهدر دمك في خرافة.” وصوت أمه الباكي: “يا ابن قلبي، احفظك الله.” ثم، في داخله، صوت صفية يدعوه: “هنا، لا زمن، لا فقر، لا وجع… هنا حضن الأبد.”
أحس بصدى خطاه يتردد في الفراغ. لم يعد يرى خلفه سوى أطياف الحجارة والأيام. أمامه، الضباب يُخاتله، يلتف حول أنفاسه، يغريه بأن يمضيَ أكثر، ويوعده بيقين خافت أن العبور ليس موتًا، بل ولادة جديدة لأمنية بقيت تتعذب في صدره منذ وُلد.
وقف يزن أخيرًا على حافة الجرف. صمتٌ رهيب، حتى الريح أمسكت أنفاسها، والقرية ركدت كجرح قديم في ذاكرته. أغمض عينيه لحظةً، وفي تلك العتمة الهادئة، التقى ظلال من أحبهم جميعًا: وجه أمه المحترق جزعًا، قبضة أبيه المعلقة فوق المحراث، ودفء يدٍ لا تُرى تمسح عيونه بضياء مشتهى بعيد.
ها هو ذا، بين عالمين، يختار ألا يهرب، وألا يبقى سجينًا. صرخ في قلبه: “يا صفية، يا ظل اليقظة، أنا آتٍ، لكنني لا أنكر الأرض.” رفع رأسه، وفتح عينيه على اتساع السهل، ثم... خطا خطوة واحدة إلى الأمام.
عندها تمزق الضباب في طرف الليل بوميض شفيف، كأن ضوءًا غريبًا فتح ثغرة بين الحلم واليقظة. خفق الهواء حوله، وارتجّ قلبه دهشة وخوفًا. لم يعد ثمة مكان للعودة، ولا سبيل للندم. خلفه كانت الحياة باردة وعارية، وأمامه عالم لم تعبره قدم بشرية إلا في الأسطورة والرؤيا.
تناهى إلى مسامعه وقع موسيقى خفيفة، لا تشبه شيئًا عرفه من قبل. شعر بالريح تلامس وجنته كأنها يد صفية، ونما في صدره أمل جديد، غامض، خجول… واتسع له الصمت، فصنع منه سكينة لم يشعر بها من قبل.
هنالك، عند تصدّع اليقين الأخير، انفتح أمامه طريق لم يسلكه سوى من تجرأ أن يصدّق الحلم. وكل شيء في داخله، الأرض والأهل والحنين، بقي معلقًا، ينتظر عبوره في فجرٍ سيُضيء الفصل القادم.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش