أسطورة صفية
8 min · الفصل 2/5
كان المساء قد هبط بثقله على قرية المنحدر الرمادي؛ كل شيء يختزل صوته في همسٍ يختلط فيه صرير الحصى بخطى الريح على الشبابيك الزجاجية الباهتة. في تلك الساعة، كانت غرفة يزن ضيقة، يعلوها تعب الشتاء والغبار وخيوط العنكبوت في الزوايا، تحفّها عتمة لم تُبددها مصباحته القديمة، سوى أن نافذتها تورّد عليها ضوء قمر مستعجل؛ شاحب، كأنما شكّ في اكتماله.
استلقى يزن فوق سريره، محشوراً في شرشف خشن بارد، وحدقت عيناه في الفراغ كأنه يترقّب زلّةً من الزمان. خارج جدران غرفته، رائحة الحطب الرطب وأزيز الرياح تطرقان الأبواب وتسترسل القصص القديمة في الأثير. في الداخل، كانت يداه تتشابكان فوق صدره، يطرق أصابعه باهتزاز لا معنى له، بينما يغيم في رأسه سؤال وحيد: "إلى متى يطول هذا المساء؟"
وفجأة، انسلّ تيار من الهواء ليس برياح الشتاء ولا بأنفاس بشرية. ارتجف ظل الغرفة، وارتسم على الحائط المقابل لوجهه ضوء فضي يفيض حتى كاد يُضيء روحه. انقشع البرد عن صدره، وانفتح باب القلب على دهشة لم يعرفها من قبل. من بين خيوط العتمة—بين يقظة ونوم—تشكلت أمامه هيئة لم ير مثلها بشرٌ قط.
كان طيف صفية يجلس عند حافة السرير؛ غير أن الجلوس كَلِمَةٌ واهية أمام حضورها. بدا وجهها كطفولة القمر حين يوغل في سحر الجداول، تضطرب عليه خطوط الضوء وتنعكس في عينيها أسرارٌ لم تُفكّك بعد. ملامحها متبدلة، أحياناً طفلة، وأحياناً امرأة متعبة، لكنه شعر أن في عينيها وعداً بغياب الوحدة القديمة فيه.
همست، بنبرة لا هي صدى الريح ولا صوت امرأة: – "يزن... أما زلت تتوارى عن الحلم؟"
ارتعد قلبه، لكنه لم يهرب. نهض قليلًا، أطبق أصابعه على حافة الغطاء، ولسانه ثقيل: – "من... من أنتِ؟ أأحلم أم أتوه في ساعةٍ ضائعة من الليل؟"
ابتسمت صفية، وردّ شعاع ابتسامتها دفء لم تعرفه غرفته منذ زمن بعيد. قالت: – "لستَ تحلم، ولا الوقت ضائع. أنا صفية... جئتُ لأتلو لك حكايةً لم تسمعها شفاه ولا خطّها جدار، لأن قلبك وحيدٌ منذ ألف ظلّ، وأنت الأوحد في هذا الركن القاسي الذي صنعه الجفاف والتكرار."
نظر إليها يزن في اندهاشٍ قلق، وبحذر التائه قال: – "حكايتي لا تحمل غير التعب، وليل القرية ثقيل لا يقبل الغرباء. هل صرتُ أهذي أم جنّ عقلي مثلما يقولون عن من سبقني للباطن؟"
أجابت صفية، واقترب نورها حتى شعرت جدران الغرفة أنها تتنفس معه: – "الغربة ليست في المكان يا يزن، ولا الجنون عيب مَن يحلم في أرضٍ خرساء. جئتُ لأنك دعوتني... نعم، دعوتني حين أمسكتَ الكتاب المهمل على الرف، وقرأتَ حضور الجنيات في القصص المنسية، وتمنيتَ دفئًا يُعيد ليديك الإحساس... أتذكر؟"
تلاشى الخوف شيئاً فشيئاً من قلب يزن. لم يدرِ كيف يصدق أو يكذّب، لكنه وجد نفسه يقول في صوتٍ خفيض: – "أذكر الليل الطويل... وأذكر البرودة التي لا يغلبها الغطاء، نعم... أذكر الرغبة لو أن الدنيا توسّعت بقلب إنسان أو جنية."
ابتسمت صفية بأسى، مدّت يدها التي لا ظل لها فوق كتفه، شعرت روحه باهتزاز عميق كمن يغسل روحه بضوء بعيد: – "الليالي التي يحملها الحنين أوسع من كل ضيق، وأنا هنا لأرد إليك دفء الحلم، لتعرف أن الوحدة وهمٌ إذا رافقك نور العشق. أتعِدني أن تصغي، يزن؟"
سكتت الغرفة برهة، حتى أزيز الريح توقف عن نقر النافذة. كان الزمن متجمداً، كأنما الأرض كلها انتظرت رده. قال يزن أخيراً: – "سأصغي... ولو صارت هذه الليلة آخر ليالي الوحدة."
غمر الضياء الهزيل أطراف الغرفة كأن ثمة قنديلاً عتيقاً اشتعل فجأة في جوف الضباب. تراجع ظلّ صفية حتى تلاشى عن الجدران وتكثفت صورتها فوق وسادة القرب، خيط من الندى يسطع في عينيها وكان الهمس يتسلل في هواء الغرفة ببطء، لا تقطعه إلا أنفاس يزن المرتبكة.
أطرقت صفية رأسها قليلاً، ثم رفعت عينيها، قالت، وقد غلب على صوتها رنين شجنٍ نابعٍ من عالم آخر: – "كان الليل في مملكة جنايانا لا يعرف بردًا كهذا الذي التهم أصابعك يا يزن. كنت صبياً يتأمل القمر من نافذة ضيقة، لا يعرف أن كل ظلمة في الأرض لها ظل في سماءٍ أخرى، وأن ما يُبذر من ألم هنا، يتفتّح هناك وردًا ونارًا في قلب جنية قديمة."
امتدت كلماتها كخيط مذهب، يُربك يقينه، تهز داخله شيئًا طفوليًا أراد دفنه طويلًا. صاح خاطرٌ في أعماقه: أيليق لجنيّة أن تذرف الشوق على إنسان جافٍ حائر؟ لكنه ظل مصغياً، يسقط شيئاً فشيئاً في جاذبية سردها الغريب:
– "قبل أن أراك، كنت زهرةً منسية في براح الأحلام الجوفاء، أعد الخطى بين سراب الراحلين وأنتظر علامة تخرجني من سكوني. كنت أسمع صوتك في الريح يا يزن، كلما بكيت في ليلك المنسي أو خطت أنت صفحة من كتابٍ قديم، ارتجف صدري بنداءك، كأن النوافذ كلها تهتف لي: (أفيقي... هنا روح تسأل عنك)."
لم يفق يزن من نشوة الدهشة إلا حين شعر بأن الغرفة صارت أرحب، وأن دفئًا غريبًا بدأ ينساب في الأثاث، حتى نامت على كتفيه رهبة الوحدة القديمة. نظر في عينيها، فرأى عالماً آخر، بحيرات شاحبة، وسهولاً تمطر نجومًا، وأنين قوافٍ معلّقة في الهواء. أراد أن يسألها عن سر حضورها، عن عروس الغيم التي اختارت كوخاً منهكاً ومسحة فتى مسحوق ليكونا مسرح حبها وغربتها.
همس: – "لِمَ جئتِ؟ هل اختار القدر لي عشقه فوق أحزان العالمين، أم أن الوحدة عندكم تقودكم هكذا إلى غرف الغرباء؟"
تنهّدت صفية وهمست، فاستحال صوتها نسيمًا دافئًا: – "جئتُ لأن الحنين فينا قَدَرٌ أقوى من الموت، ولأن العشق حين يشتبك مع الأرض يغيّر مجاري البرد في عروق الكون. الإنسان وحده يرى في الجنية خرافة، أما الجنيات فيعبدن الأحزان البشرية كما يُعبد القمر في أول فجر."
وغاب صوتها. بقي صدى الهمس يتحلق فوق رأسيهما، نصفه خوف ونصفه رجاء. أحس يزن بنبض قلبه يصخب، راح يتساءل في نفسه؛ أهي رؤيا، أم لعنة، أم وعد بصبح ينبت من تربة الأساطير؟ أطرق برهة متردداً، ثم مد يده كأنما يتحسس حرارة حلمه. كان يريد أن يمسك شيئاً حقيقياً، أن يقبض على خفقة من نورها، أن يسألها كيف يجمع بين عالمين: عالم القرية الساخط وعالم الوعد الحالم.
لمس طرف ثوبها، فإذا بالضوء ينتفض لحظة حول أصابعه، ونبت البرد زهرةً شفيفة في راحته! ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة؛ قالت، كأنها تعترف بأسرار عتيقة لا تبوحها إلا للغرباء من أهل الأرض: – "لن أطلب منك وعداً يا يزن، لكنّي سأمنحك ليلة واحدة ترى فيها ما لا يراه أحد فوق هذا المنحدر الرمادي. إن فتحت قلبك، صار الليل باباً، وإن أغلقتَهُ ذوى كل شيء وغاب، وتعود أنت وحدك مع برد صخرك القديم."
لم يعد هنالك في الغرفة سوى خفوت أصوات الليل البعيدة. جلس يزن مشدوهاً، لم يدرِ أهو أصغى الآن لمكنون قلبه أم لأسطورة تنسجها فتاة من ضوء؟ انشق جدار الصمت عن صوت رياح يعلو بالخارج فجأة، تتلاطم فوق جذوع النوافذ كأنها تستدعي العابرين.
في تلك اللحظة، تناهى إلى أذنه صوت أمه سهيلة ينادي باسمه من آخر البيت، متلهفاً مرتجفاً، فارتجت ملامح يزن. تلفّت، وإذا بالضوء الذي كان يدثره يرقق ويخبو، يطرحه بين فجوتين: حضن جنية تلمع بالغربة، وصوت الأرض يناديه من القاع.
نظرت إليه صفية بعينين تلمعان بالعتمة والرجاء، ورفعت يدها، كأنها ترجوه ألا يفلت الحلم: – "اختر يا يزن. لا مُقام للعاشق على السور؛ إما أن تطلق جناحيك معي، أو تبقى في ضفة أخرى، حيث الوحدة أختك والصقيع أميرك."
فجأة دوّى صوت الريح أشد، وتكسرت عتبة الضوء بين الغرفة والدنيا. وقف يزن بين الخطوة والكلمة، والحلم والحنين، فيما صفية مشفوعة بضوءها الأخير ترقبه، تنتظر قراره الذي لم يُعلن بعد...
لم يعد الوقت سوى جسر معلّق بين شهقةِ الأمس ووحشة الآن، وكل ما حول يزن اكتسى بثقل المعاني التي تشرّبت رطوبة الخوف والأمل معاً. ظل واقفاً يحدّق في صفية، بأنفاس مرتجفة، وقلبٍ يتأرجح بين رجفة المجازفة ونداء الجذور. كانت نظرتها إليه تشق ستار الغرفة، كأنها تفرش له ممراً بين عالمين: برزخٌ من ضوءٍ، أو جرفٌ من عتمةٍ لا قاع له.
سمع صوت أمه مرة أخرى يلفظ اسمه بحرقةٍ لا يقدر على إغفالها. ارتفعت تلك الصرخة من أعماق الروح: "يزن... حبيبي، أين أنت؟" غاص الصوت في عظامه فارتدّت قدماه خطوة إلى الوراء دون أن يعي، وارتجت شفتا صفية، حتى بدا له نورها يترنّح كثمرة على غصن الريح. في تلك اللحظة الضئيلة بين التقدُّم والتراجع، أبصر كيف تشتبك الدروب في داخله، ويصير قلبه ساحة معركة يُداس فوق ترابها الحلم والواجب.
قالت صفية، بهمسٍ يكاد يُكسر من رهافته: "إن أدرْتَ الظهر عن الظلّ، تذبل القلوب، ويصيب الجدب أرواح العشاق. لكن للأرض حقها عليك... اختر!"
لمع اسم أمه بين جنبات صدره كتميمةٍ لا تُسقط، وتردّد ذكرى أبيه، يعلو فوق هدير الريح وصدى العزلة. أيُّ دربٍ هذا الذي يخرجه من زمن الطفولة إلى البرزخ؟ كيف يضيء عالمه الكسيح دون أن يخسر نصفه المتجذر في عتبات البيت؟
مدَّ يزن يده، متردداً، بين صدر صفية المرتجف وضوء النافذة. هبّ البرد عبر الزجاج المهشّم، وتناهت إليه رائحة التراب المبتلّ؛ رائحة سوداء تشبه حكايا جدته عن الغياب والعائدين من الضباب.
همّت صفية أن تقترب أكثر، فخاب ضوءها فجأة، وغمرها رماد الليل. وكلما حاولت أن تنتزع يزن من مكانه، لاح له ظل أمه عند عتبة الباب، بعينيها الواسعتين، بالدعاء الذي خلّفته الليالي الباردة، وبوداعة لا تضاهيها شياطين العشق ولا سحر الجنيات.
تكسّر صمت الغرفة بصوت أمه يعلو حزيناً، فبكى يزن دون صوت، ثم خطا خطوة حاسمة نحو الباب كمن ينجو بحد السكين من سرابٍ كان يوشك أن يبتلعه. بقيت صفية في مكانها، تتلاشى رويداً رويداً، حتى لم يبق منها سوى أثر نور خافت يدور في فضاء الغرفة، كطيف صلاةٍ لم تكتمل.
مرّت لحظة ثقيلة... كل شيء أضحى هادئاً ومطفأ على نحو مخيف. صوت الريح هجع، وصارت ظلال الأشياء أشد سواداً، وكأن تنهيدة يزن، وهو يفتح الباب ليجد أمه واقفة هناك، أعادت للكوخ بعض دفئه القديم.
التقت عيناه بعيني أمه. فيها كل الذعر والرجاء، وفيه شظايا قمرٍ غارق في عبورٍ لم يكتمل. أجهش قلبها بنداء مكتوم، واحتضنته كما لو كان وقع عودته مفازة عتيقة في زمن الجدب.
أما هو، فقد شعر للحظة أن شيئاً عاد إلى مكانه بين أضلعه—شيء من التربة، من الماء، من دم الأمس الذي لم يجف. وربما... من الشوق لصفية أيضاً، لكنه شوقٌ اكتسب مذاق القرار.
على النافذة، عبرت بقعة ضوء خافت. لم تعد صفية هناك، غير أن أنين الريح المتواري حمل مع الظلام وعداً خفياً بأن ما حدث لم يكن أكثر من بدء صدعٍ شفيف في جدران الواقع.
في تلك الليلة، نام يزن في فراشه بجوار أمّه، ويدها تعانقه كجذر أمسكه من القرارة. غير أنه حين أغمض عينيه، لمح في أحلامه جرف المصطبة السوداء، وامرأةً ترفرف فراشات من نورها في عتمة الأفق... وجرحاً لم يلتئم بعد، على أعتاب الكون المعلق بين قلبين.
أما في الخارج، فقد كانت الريح، للمرة الأولى منذ سنين، تتخفف من عويلها، وتدنو إلى عزفٍ لا يحمل نذر الخطر، بل يبشر بفجرٍ يستيقظ فيه الحنين والرجاء معاً... تمهيداً لخطوٍ عسير صوب وجهة لم تظهر بعد، وسؤالٍ سيظل معلقاً حتى يبدأ العبور.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش