المنحدر الرمادي
9 min · الفصل 1/5
كان الصباح في قرية المنحدر الرمادي لا يُعرف إلا بنبرة رماده. شمس متعثرة تخترق الضباب بخيطان عاجزةٍ، تزحف على أرضٍ زَرَعَت الفقرَ في صدور أهلها فانطفأت ضحكاتهم قبل أن تولد. تحت سقف كوخ عتيق في طرف أطراف القرية، كان يزن يجلس قرب النافذة، يقطف من سكون الأيام ما يمكن أن يسدّ به جوع روحه، متأملاً مسرح الضباب وهو يعبر الأزقة الحجرية وينحلّ بين الأعشاب اليابسة.
كان صوتُ أمه سهيلة يتسرّب من المطبخ، يتحوّل إلى لحن واهن فوق ركود البيت. بين الفينة والأخرى، ترتفع أنفاسها المكدودة في فضاء الغرفة، تحمل علامات الغضب والشفقة معاً، وتخفت بمجرد أن تُدرك أن ابنها مازال غارقاً هناك، في زاوية الوحدة. أما أبوه جميل، فقد اعتاد أن يعود مع الغروب عابس الوجه، يعلوه الغبار القديم وهموم اليدين، فيكسر به الصمت لحظة ثم يعيده لعتمة أكثر كثافة.
مرّت لحظات طويلة ويزن ساكنٌ كظل شجرة مذبوحة الريح. حمل زُجاج النافذة وِزرَ النهار الكئيب، فيما امتدت أنامله النحيلة تقلب صفحات كتاب قديم، صفحاته داكنة بفعل الرطوبة، عن حكاياتٍ لا تشبه شيئاً في واقعه، لكنها تبعث شرارة هاربة خلف جدران رأسه.
سمع وقع أقدام أمه تدنو، فتنهد بعينين فيهما بقايا توسلٍ دفين. لم تلتفت إليه بادئ الأمر، كانت عيناها تسبحان في فضاء الحجرة، كأنما تبحث فيه عن شيء أكثر من ابنها الصامت. ثم اقتربت منه، جلست على حافة السرير الخشبي المتآكل وقالت بصوتٍ فيه رجع أزمنة قديمة:
"يزن... ألا تكفّ عن هذا الصمت؟ لو تحدّثت قليلاً، لأحسست أن النهار يتحرّك. لا أريدك حبيس الكتب والأوهام، يا ولدي."
لم ينبس يزن بحرف. هز كتفيه بخفة، ثم أغلق الكتاب ورتكه جانباً، متأملاً وجه أمه الذي أكل الحزن قسماته، وألقى فيه تقشف الزمن قسوة الأمطار الطوال. همست هي، كمن ينضح روحه في فضاء الغرفة:
"أخاف عليك يا يزن، أخاف أن تفقد نفسك في هذه البلاد اليابسة. القرية صارت غريبة حتى علينا، فكيف لطفل وحيد أن يعيش فيها بقلبه وحده؟"
كان قلب يزن ينكمش كلما سمع قلق أمه. حاول أن ينطق، أن يقول شيئاً عن شقاء الأيام أو عن العزلة الكثيفة، لكنه ظل يُراوغ بين نطقه وصمته، فلا يخرج سوى همهمات خافتة.
خارج الكوخ، سرت الريح الباردة تحمل معها أخبار المنحدر الرمادي. كان للضباب موسيقى غريبة اليوم، ينبعث من بين شقوق الأرض فيرقص فوق السطوح المنسية، يضرب الأبواب المهملة، ويوقظ في يزن حنيناً مجهول المصدر. شعر أن كل حجر في القرية يروي حكاية صامتة، وأن كل نفس من أنفاس الريح يُرَجِّح كفة وحدته.
تنهدت أمه، ثم التقطت أطراف حافة الغطاء، كأنها تغزو دموعًا لم تُسكب بعد. رفعت رأسها، ونظرت إليه طويلاً، ثم قالت:
"حين يأتي والدك مساءً، لا تتركه يغرق في صمته. جرب أن تفتح نافذة الأمل، يا ولدي. ربما تغيّر هذه الأيام شيئاً فيك... فينا جميعاً."
أجابها بنبرة كالوعد:
"سأحاول يا أمي، سأحاول."
تسللت الكلمات كقطرات ندى فوق رماد النهار، ولم تدر سهيلة هل صدقها أم أنها وهم آخر من أوهام ابنها الحالم. نهضت بتثاقل، وتوارَت إلى المطبخ، تاركة يزن وحده يراقب الأرض الرمادية، ذاهلاً تحت سقف البرد والأسئلة. لحظتها، تلاشى الفرق بين الداخل والخارج، وصارت غرفته امتداداً لصحراء الروح وفيافي الانتظار.
انحنى يزن قليلاً ناحية النافذة، يراقب شبح ولد في مثل عمره يعبر الممر الحجري المقابل، فلم يميز ملامحه من كثافة الضباب، وتساءل داخله: هل أنا ذلك العابر في الضباب أيضاً؟ هل كلّ من في هذه القرية ظلّ لنفسه؟ ظلَّت الأسئلة تتكاثف مثل الغيم الرمادي، حتى بدا له أن العالم ذاته معلق بين النوم واليقظة، ينتظر حدثاً لا يأتي.
وأمام زحف الضجر، تسللت من عينيه شرارة تحدٍّ وذكرى قديمة، فابتسم بسكون، كأنما وعدَ قلبه بأن للرماد أياماً أخرى تنتظر من يبعث النار فيها.
على الرغم من البرودة المتمادية في أطراف الغرفة، كان ثمة وميض دفين يسري في جسد يزن، كأن دمه يندفع بهمسة سرية لا يدركها أحد سواه. حاول أن يلتحف الدفءَ ببقايا غطاءٍ ممزق، ثم أطل من حافّة النافذة ليصحب عينيه رحيل الولد الغريب الذي اجتاحه في الضباب، حتى خيل إليه أن الوجوه تتبدّل وتصير مرايا خاوية للغربة.
لحظتها، تمادى صمت البيت في ثقله، فتسلل صوت أمه من المطبخ، هامساً: "يزن... هل تحب بعض الشاي؟" لم يجب؛ ظل معلقاً مع ارتجاج الضوء في الزجاج، مصغياً للرياح التي تصفع النوافذ باقتضاب حزين. مال برأسه ناحية الكتب القديمة التي حشرها حول وسادته، باحثاً في طيّاتها عن أثر لدفء كان أو لصوت يعيد إليه اليقين بأن العالم لم يمت بعد.
من بعيد، تعالت أصوات جرسٍ، ربما من أحد الحقول النائمة أو من راعٍ مبكر تسلل مع الضباب. بدت الأصوات واهية، لكنها أزاحت عن صدر يزن غلالة واهنة من الوجع. في تلك اللحظات التي تجمد فيها الزمن، خفق قلبه بخاطر مباغت: ماذا لو انفتح هذا الصبح على مفاجأة، لو أن ثغرة ما في الجدار سمحت بدخول شعاع جديد يعرف اسمه ويوقظ فيه الحياة؟
تقدّم ناحية الباب، تلمس جدرانه بسكون المحروم، وشهق حين أحس بأن كل شيء من حوله يشهد انتظاره. أراد أن يصرخ، لكن صوته خنقه الخوف؛ ألقى نظرة سريعة إلى صورته المطبوعة على زجاج النافذة، فبدت له ملامحه غريبة، كأنها نُحتت بخفة على صفحة ماء. أيكون هو ذاك الذي كان يقف قبل قليل في الضباب المقابل؟ وأسئلة أخرى انسلت بهدوء، حتى كلّفته حيرة جديدة تثقل الروح.
جلس يزن أمام مدفأة مبنية بحجارة سوداء لم تشتعل منذ أسابيع. مد يده الباردة كأنما يداعب جمرات وهمية، وتساءل بلا صوت: هل تشعر الحجارة بفراغها؟ هل تفتقد نارها مثلما يفتقد قلبه خفقات الحلم؟
ثمة رف قديم يعلو الجدار تعلق عليه أمه مفاتيح صدئة وبعض التعاويذ. من فوقه، لاحظ يزن ظلال ثوب والدته تتحرك ببطء وتقترب؛ فجأة، لا يدري كيف، شعر بشيء غامض ينساب إلى قلبه. كلما اقترب وقع خطوات سهيلة، انكمش في نفسه أكثر، يترقب ما إذا كانت ستقول شيئاً يعيد الطمأنينة، أو تزيد عليه الحصار.
وهمس في سره: "أيها الفقر، كم حفرت لنا هوة بين العالمين، حتى صار الحلم مرقعاً كشمس الشتاء!". طالع الباب الخشبي المهترئ، متردداً: هل يمضي خارج العتبة؟ أم ينتظر إشارة أو علامة تدلّه على أن العالم لم يغلق أبوابه كلها في وجهه؟
لحظات وارتفعت شمس رمادية، لا حرارة فيها سوى إصرارها على البقاء فوق تلال القرية الكابية. تسللت بعض الشعاعات الخجلى إلى الغرفة، فارتعشت جفون يزن، كأنها تترجم أمنية قديمة بأن الغيم لا يدوم.
تناهت إليه فجأة أصوات أمه وهي تصبُّ الشاي، فاختلط دوي انسكاب السائل بحرارة الأسئلة: "إلى متى ستبقى هكذا، يا يزن؟ ألا يكفيك الغرق في هذه الأكاذيب؟" لكنه لم يجِب؛ كان حينئذٍ مشغولاً بوميض ذكرى قديمة، إذ لم يكن الضباب دائماً بهذا الثقل، ولم تكن الوحدة بهذا الوضوح. كان هناك في الزمن القديم، عندما كانت سهيلة تضحك مع والده على شرفة الكوخ، وكانت الضحكة تختلط مع أهازيج الرعاة؛ لم يكن الحنين موجعاً، ولا المستقبل خطراً ملغزاً يُرهب كل قلب يخطو فوق هذه الأرض الرمادية.
في تلك اللحظة، خُيِّل إليه أن الهواء نفسه يدعوه للخروج. لم يكن يعرف وجهته، لكنه، وسط ارتعاشة أصابعه وهمس النار المفقودة، أدرك أن أمامه طريقاً لا يُقاوم. نهض يزن ببطء، ودسّ يديه في جيب سترته الرثة، ثم التفت إلى أمه التي بدت مشغولة بالانتظار أكثر من انشغالها بأي عمل.
قال لها بصوت باهت: "سأتمشى قليلاً، يا أمي." لم ترد. اكتفت بأن رنّت عيناها بقلق يسكنه الحنو، كأنها تود لو تحوطه بذراعيها وتغلق عليه باب العالم.
فتح الباب، ولفحته نسمة محملة بعطر طين مبتل وأعشاب برية. لمح من خلف الضباب ظل الولد العابر مرة أخرى، كأنما ينتظره عند تخوم الممر الحجري. تمهل يزن، والتفت مرةً أخيرة إلى العتمة الدافئة في الغرفة، ثم خطا خارج العتبة، يقتفي أثر ذلك الظل، وقلبه معلق بين وعد أمه وخفقة السؤال الذي لا ينتهي—بين الطمأنينة التي خلف الجدار، والنداء الغامض الذي يسكن الضباب المجهول.
وراح يسير في اتجاهٍ لا حد له، بينما القرية تصحو ببطء خلف جفون الضباب، كأنها تتنصت ريثما تبدأ الحكاية.
تقدم يزن في الممر الحجري، يداه تغوصان في جيبَيْ سترته، وعيناه شبه مغمضتين تحت وقع الضباب الكثيف. كان الضباب يتسلل إلى صدره، يملأ رئتيه بنفحات باردة، تحفّزه على التنفس العميق، كأنه يبحث عن الطمأنينة بين ذرات الهواء المشبعة بالماء وأريج الأعشاب البريّة. لم يعد يسمع صوت أمه إلا كصدى بعيد، خافت، يتلاقى مع خفقان قلبه المتوجس.
تحت قدميه تهشمت أوراق يابسة أوجعتها الخطى وداست فوقها سنوات من الانتظار والانكسار. قرية المنحدر الرمادي تلوح من حوله، بيوتها المتهالكة تتنفس عبر طينها الحزين، والسكون الثقيل كغيمة عجوز تراقب كل شيء دون أن تحرّك ساكنًا. على يمينه، جدار حجري تعتليه شجيرة برية، أوراقها الندية تسيل عليها قطرات الضباب، وتغتسل الروح التائهة في مواجيد الهدوء المر.
في تلك اللحظة، لمح ظل الولد ثانيةً، يقف في نهاية الممر، يتأرجح بين جسارة الدعوة وغموض الغائبين. لمحته عين يزن كأنه شبح من ذكريات غامضة، لم يُخبره أحد بها ولا هو عرفها في يومه أو حلمه. تردد برهة، ثم شد نفسه، ومضى بخطوات صغيرة، كل خطوة تقتلع من صدره رجفة خوف وتزرع بدلها نبتة فضول.
بينما هو يقترب، انبثق صوتُ الصباح من بعيد؛ ديك يصيح، باب كوخ يُفتح، حمامة تتناثر من شق صخري. كل ضجة بدت كأنها إشارات سرية، تدعوه إلى المزيد من التوغل نحو تلك الهوة الغامضة بين القرية والضباب، بين المعرفة والغرابة، بين البيت والفراغ.
اقترب من الولد حتى صار بينهما خطوة، وإذا بملامحه تتبدد في نسيج الضباب، ثم تعود لتتشكل شيئًا فشيئًا. وجه مألوف وغريب في آنٍ، كأن كل ظلال الطفولة المخذولة تجمعت فيه، بعينيه اللامعتَيْن الحذرتَيْن، وفمه الضاحك بطفولة مؤذية، كأن الحياة تمنحه فرصة أخرى ليغوي الآخرين بالمجهول.
وقف يزن مترددًا، وتوقف الظل، ثم انحنى قليلاً، وأشار بإصبعه إلى نهاية الطريق، حيث ينحدر الممر إلى براح فسيح يشبه أحلام الطفولة الجوفاء. هناك، بدا الكون كله معلقًا بين نهار يتكاسل عن النهوض وليلة تتلفع بوشاحها الضبابي المتثاقل.
همس يزن لنفسه: "هل أكمل، أم أعود؟" لكن صدى التساؤل لم يكن له يد في القرار، إذ بدت قدماه وقد استجابت لنداء أعمق من رغبته في السلام، أقوى من تعلقه بحصن غرفته. مشى، ووراءه ظل الولد، أمامه فراغٌ لا يُرى منه إلا لمحة شاحبة تتراقص فوق العشب وسط قطرات الندى التي تتلألأ ببرودة الفجر.
فجأة، تناهى إلى سمعه صوتٌ رخيم، خافت كأنما صدر عن باطن الأرض، أو عن ذكرى قديمة ظلت تتردد في هذا المكان منذ عصور: "احذر جرف المصطبة السوداء يا يزن، فإن فتح له قلبك لن يعود كما كان." التفت ولم يرَ أحدًا، سوى الولد وقد اندثر تمامًا، وعاد الضباب ليغطي كل أثر.
ارتعدت أنفاسه. حاول أن يعود، لكنه شعر أن الطريق خلفه قد تلاشى أو اختفى تحت طبقات السكون والغيم. كل شيء صامت سوى تلك الخفقة في صدره تدق باب العالم الجديد.
وفي الطرف الآخر، حيث ينتهي الأثر وتبدأ الهوة، لمحت عيناه شيئًا يشبه الخرافة: سهل معشب تفترشه غشاوة من نور رمادي، وشجرة وحيدة تتلوى كأنها تكتب على صفحة الضباب أغنية ضائعة. هناك، على مقربة من الجرف المبالغ في عزلته، انبثقت صورةٌ خافتة، تتوهج مثل برق في ليل الطفولة: وجه صفية.
كان حضورها طيفًا لا يُمس ولا يُترك، عطرًا يخالط نسغ الأرض وشجنًا يسكن رعشة النسيم. لم يكن يزن يعرف، حين وقفت على تخوم براح الأحلام الجوفاء، أيّ زمن ينتمي إليه، ولا أي باب فُتح أمامه.
ثم، انطفأت الظلال الأولى بانحسار الضباب، وانفرجت السماء عن خيوط ضوء بين الغيم تشق عتمة القرية. شعر يزن أن خطواته لم تعد له وحده: هو الآن في مفترق بين ماضٍ يحنو عليه وأمٍّ تراقب قلبه من وراء النافذة، ومستقبلٍ يلوح بنذرٍ لا يُقرأ، مرسوم برماد الأرض ووعد الغيب.
وقف هناك، في براح الصباح الغائم، مسكونًا بحيرة تستدعي كل جرأته وكآبته في آن، وهو لا يدري بعد أن الحكاية قد بدأت الآن فقط، وأن الخطوة التالية ستقوده إلى أرض لم يعرفها أحد قبله، ولا يعرف إن كان سيعود منها أبدًا.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش