SIROVANX
ابدأ الكتابة
عروس من عالم الظلال

الحدود الهشّة

8 min · الفصل 5/5

كان الفجر يستلُّ خنجره البارد من تحت جلدة الضباب، ويمرُّ على القرية بهدوء الجنازة الأولى. كل البيوت نائمة إلّا كوخ والدي يزن، حيث كان صدر الليل ما يزال يتردد بين جدرانه، يخبط فيه القلق كملاكٍ ضائع. لا الريح هدأت فوق النوافذ، ولا خارت جذوة الانتظار في هدوء سهيلة، تلك الأم المفجوعة المؤرّقة منذ غياب ابنها عند جرف المصطبة السوداء.

في ركن الحجرة، حيث يرقد الفراغ ضاغطاً على صدرها، جلست سهيلة، رأسها بين كفيها، وعيناها تهيمان كأنّهما تبحثان في قاع هذا الصمت عن أثرٍ لصوت يزن. ارتفع أنينها خافتاً، ثم غاب، بينما من خلف الباب، كان جميل يتكوّم بقامته الطويلة، منكسر الظهر كسنبلة يابسة. يداه مشبوكتان فوق ركبتيه، والفجر يغسل وجهه المنحوت بالكد والتخشب، بعينين لا تعرفان النوم إلّا فراراً من الحقيقة.

– يا رب، أعد لي ولدي، لا أعرف أن أعيش من دونه… همست سهيلة بذلك، كل كلمة تخرج منها كخرزة عتيقة في مسبحة دعاء متعبة. ردّ جميل، صوته أجشّ والوجع يلسع نبرته: – سيعود، أو سيعود الخبر. في هذا الليل، لا أحد يصنع المعجزات.

كان الصدى بين الجدران أوسع من حلم، وأضيق من موت. وبينما تتردد الأنفاس المضغوطة، كان في الخارج ظل يزن يتسلّل، جسده نحيل تمتصّه الأرض كلما ابتعد خطوة عن البيت، خطاه متعثرة، وصدره مشدود كوتر قوسٍ يتيم. ألقى خلفه نظرة خاطفة إلى الكوخ، كأنّه يعتذر من عيني أمه، ثم واصل المسير إلى حيث لم تطأ قدماه من قبل: براح الأحلام الجوفاء.

هناك عند حافة القرية، ارتدى الضباب لونه الشاحب الأخير، وصار كل شيء يهمس بالارتياب والرغبة في الفرار. رسمت شجرة عجوز ظلها عند المصطبة السوداء، غصونها تنشب في الفراغ، وجذورها تتشرب همسات القرويين الخائفين. اقترب يزن منها كمن يسير في حلم لا يدرك فيه الخوف إلّا حين يستفيق.

انبثق صوت صفية من لا مكان، أو ربما من أعماق الأرض تلك التي سقطت عنها البركة منذ زمن بعيد. كان رقيقاً، غامضاً، يهدهد المسافة بين الحزن والدفء: – ألم تشتق لرؤية الضوء الآخر يا يزن؟ توقف الفتى، ارتعشت أنامله فوق صدره، وراح يبحث في الضباب عن ملامحها المستحيلة. – صفية… هل أنت هنا؟ أم أنّ ضوءك وهمٌ لا يُلامس سواه قلبي؟

خرجت من عتمة الجرف كأنها خطفُ برق، لا ظلّ لها بين التراب، وجهها كنجمة مغموسة في مياه الليل. دنت منه حتى شعر بأنفاسها رقيقةً تلامس روحه، فارتعد، لكنه لم يبرح مكانه. قالت بصوت مجروح يشبه الموسيقى المتقطعة: – لم يعد هناك متّسعٌ بيننا للانتظار. فإمّا أن تعبر، أو تسقط في قاع الفقد إلى الأبد. قال لها هامساً، بين الخوف والرجاء: – عبوري صار حدوداً تهشمت تحت قدمي… أمي هناك، وقلبي هنا. أين الوطن في الحلمين؟

ساد صمت ثقيل متوتر، فقط هدير الريح يُبدد أطياف الكلمات. وبعد لحظات، اقتربت صفية أكثر، مدت يداً شفافة كندى الصباح: – كل العوالم مُعلقة بخيط واحد. اختر، وليكن اختيارك نجاة أو هلاكاً… لكن لا تنظر خلفك بعد الآن.

بقي يزن واقفاً، عيناه تلمعان بالدمع والرغبة وخوف الطفل الأعزل. كان الليل حولهما عميقاً، والجرف يتهدد بالانهيار، وصفية تلوّح بسرّها عن الضفة الأخرى، بينما في أقصى البعيد، انفتح الباب المتهالك على صرخة سهيلة تشق الفجر:

– يزن!… صوتها اندلق كالمطر فوق حجارة الطريق، والهواء تثاقل في صدر البرية. كان القرار يثقل روح الفتى، وخطوة واحدة تفصله عن سقوط لا عودة منه.

وفي تلك اللحظة، ارتجفت الأرض تحت أقدامه، وأقبل الضباب يحجب الرؤية حتى صار العالم هبةً من البياض الكثيف والصمت المشوب بالحدس، فيما ظل يزن متردداً، تتقاسمه يد صفية وأصابع ذاكرته، على عتبة الحدود الهشّة بين العالمين…

… علِق يزن بين النداءين؛ يدٌ من غيم تمدّه بقطع الضوء وأخرى، مندمجة بحنين الخوف، تشدّه إلى موضعه شبه المطفأ، حيث يحتشد البيت في صدره بصرخة أمٍ جريحة. دخل الضباب عينيه، فصار المسافة كلها رماداً يطفو، والأرض تتقلب من تحت قدميه كزورق قديم يرتجُ في الموج الخفي. همست صفية صدىً عميقاً في قلبه: – ماذا بقي لك هنا؟ الفجر يُنبت لك أجنحة إن تجرّأت… انفلتت دمعة ساخنة على خد يزن، خفية وسط الهباب الأبيض. سمع أنفاسه تتكسر في صدره، وصوت سهيلة يخترق الحجب، لكنه بدا بعيداً جداً، كأنما ولد من جرحٍ مهجور في زمن آخر.

كان الضباب يأخذه إليه ويعيده، حتى ظن نفسه غريباً في جسده؛ هناك في الأطراف، خطوط جسده تتوارى، وصوته يتردد حائراً بين اليقظة والمنام. رأى يد صفية تشير، فتضيق المسافة بينه وبين المجهول، تتسع خطواته مرة، وتتراجع مرات. – لا تتردّد. كأن همستها ندى، لكنه يعرف أن وراءها عاصفة. ارتجف قلبه، وتقدم خطوة واحدة، شعَر بأن الأرض تحت قدمه تحولت إلى قصبة هشة. في تلك اللحظة ارتفع الضباب من حوله كستارة من وهم، وانفتح ما يشبه البراح القاحل أمام عينيه، سهلٌ لا بداية له ولا نهاية.

في قلب السكون، لمح ظلّ أمه، تطل من باب الكوخ البعيد، ترفع يديها كغصن يابس يستصرخ السماء. تحت صرختها، انكسر العالم بين نورين: نور يحدثه بأن الخطوة القادمة لا عودة منها، ونور آخر يُعيده للسرير البارد، حضن الفقر، ودفء الانتظار.

يختل التوازن داخله؛ الضياع ينهش روحه. يسمع صفية تقول: – الليل ينتهي حيث تبدأ أنت… صار كل شيء أمامه حوافَّ من احتمالات. عيناه تلتمعان بوميض العزم ثم تبهتان حين يأتي صوت سهيلة أقسى: – لا تذهب يا يزن! تردد صدى الصرخة فوق السهل، حتى خيّل إليه أن الأشجار نفسها ذرفت أوراقها من هول النداء. تشابكت الأصوات في رأسه، تضرب بالرياح الواهنة وجهَ قراره، فيعود الفتى طفلاً تائهاً بين الحلم والموت.

لحظتها، ظهرت صفية على براح الضباب، لم تعد مجرد ظل، بل صارت جسداً من وهج، عيناها نوافذ إلى عالم آخر، وبشرتها تتلألأ بغبار الأسرار. وقفت على الحد الفاصل بين البياض والعتمة، تبتسم ابتسامة ناعمة باكية، وتقول: – لا فجر لمن لم يخض الظلال… كان يُحس بقدميه تكادان تخونانه؛ خواطر الفشل والدنو من السقوط تغمر أطراف روحه. شيء ما في قلبه اشتد كقبضة، يصارع رغبة الاحتراق الكامل في نور صفية، وبين التعلق بمصدر الحياة الأصلي خلفه، حيث كل نبضة فيه خيط أمومي يتشبث بالحياة.

هوى غصن جاف من شجرة قرب الحافة، فارتج الجرف كله تحت وقع الصوت الحاد. صار يزن يلمس التصدُّع في الأرض والذاكرة. في داخله، يسمع وجيب قلب أمه يناديه: – لا هلاك مع الأم، لا ضياع لمن عاد! لكنه يعرف أن طريق العودة كالغرق في الطين… ألف شوكة وألف قيد.

شدّه الحنين إلى وجه صفية حيث يتوهج كل شيء لا يُسمّى: رائحة الأمطار الأولى، طعم العسل القديم، دفء حضن يفوق الزمن. ولأول مرة يُدرك كم يشبه الحب موتاً أبيض، وكم يشبه الفراق ميلاداً محفوفاً بالشوك.

توقف الزمن، وكأن العالم لا يحتوي سوى تلك اللحظة: سكون كامل، الأنفاس معلقة، والاختيار يشبه الانتحار أو القيامة. رأى يزن ظلّه يطول على الضباب، فعرف أن المسافة الأخيرة هي بين قلبين؛ بين مناداة الجنية الرهيفة وضجيج أمه الشاحب.

مدّ يديه، تردد، ثم أغمض عينيه كمن يترك نفسه تصير ندبة على جدار الريح. لم يسمع إلا خفقة جناح، وضحكة باكية تذوب في الضباب، وبعيداً جداً… صرخة أمه تترنح فوق هوة الفراغ.

عندها فقط، خطا يزن الخطوة الأولى… وتبدّل العالم — لكن لم يتبدد الخوف بعد. في لحظة واحدة، انهمر الضوء من حيث لا يدري… وانكسرت الأرض تحت قدميه، فبقي معلقاً بين العبور والمحو، تتداخل السماء بالسهل، ويتهشم الليل على مشارف الاختيار. وبقيت صفية، على مرمى النجم، تلوّح بسرها الأخير، فيما صدى الأم يجرح أطراف الرؤيا…

وكل شيء ظل معلقاً، ينتظر شرارة النهاية أو ميلاد العالم الجديد.

في تلك البرهة التي تفلّت فيها المسافة بين الخطوة الأولى ويتيم الرجفة الأخيرة، شعر يزن أن الجاذبية قد خانته أو ربما خان نفسه، فلم يعد يسنده من الأرض إلا صدى بعيد لذكريات تهاوت كأوراق يابسة في ريح عاصفة. الضوء الذي انهمر كان ليس من هذا العالم، أثيريٌّ، يذوب فيه ملمس جلده ويبرد على عظامه فيتلاشى حدُّ الجسد ويتفتح داخله باب مجهول.

كان يزن يسمع ضربات قلبه من خارج جسده، كأنها تقرع طبول نذير على ضفة نهر غير مرئيّ، وللحظةٍ حسب أنه صار ضباباً، يسبح بلا وزن فوق الحافة بين عالمين. حوله رقصت بقع ضوء خافتة، وفيها تجسدت ملامح صفية، شفافة تماماً، كأنها وليدة خيال لعجوزٍ أثقلته أهواء الحنين. همست: "يا يزن، كل ما رأيته ليس سوى قشرة الحلم. اخترني أو اختر الرحيل." ولكن صدى صوتها كان يشتبك مع بكاء سهيلة الذي تلاشى ببطء في أقاصي الضباب، حتى صار همساً عالقاً بين اليقظة والعدم.

أراد أن يصرخ، أن يلملم شظايا إرادته ويعود أدراجه، لكنه اكتشف أن الأقدام لم تعد أقدامه، والأرض لم تعد أرضه. سقطت صورة الكوخ والعائلة، تهشمت في المدى وصارت حبّة قمح تُسحق بين أضراس الرياح العالية. سكن الهول في صدره، لكنه شعر في الأعماق بأن ثمة وطناً غامضاً يدعوه من خلف سديم الخوف، وطنٌ لا يعرفه إلا من تجرّع مرارات المغامرة وذاق عبير التسليم.

صفية اقتربت، وجهها مزيج من وعد الخلاص ودمعة خفية. مدّت يدها، وأصابعه ارتعشت كأنها تبحر للتو في أول مياه الحب الطفولي. خفق قلبه بفرح غامض وخوف صاعق، فالأم ما زالت هناك، صورتها ترتجف على عتبة الصبر، عيناها ليلٌ طويل يرفض أن يغفر خيانة الولد الوحيد.

وفيما امتدت كف الجنية نحو قلبه، تذكّر دفء حضن سهيلة، رائحة الخبز المتدفق في هواء الكوخ، وصوت أبيه الذي كان يُخفي القلق خلف صرامة صامتة وأملٍ عتيق. آنذاك، شعر أن الشوق ليس للغائبين فقط، بل للأمان الضائع في تقاطع الدروب، للحنين نفسه حين يُضطر إلى الفراق.

وفيما كان موج الضباب يسحب صور الماضي إلى قاع الذاكرة، التمعت عينا صفية بنور جديد. همست: "هذا الباب لا يُفتح مرتين يا يزن، فإن دخلت، نسيتهم ليبقى الاسم وحيداً في زمرد النسيان. وإن عدتَ، سأظل ظلّ حلمٍ مستحيل خلف جدران غرفتك الباردة."

لحظتها، هزته رعشة اليقين. لم يعد في نسيج روحه سوى بُعدان: حضن الأم ونداء الجنية. بكى في صمته، دمعة لم يرها أحد.

ثم، كأن في السماء انفرجت نافذة أبدية، سمع نبضة أخيرة من قلب أمه، نبضة دفعت دمه إلى الانتماء، فمال بخطوته الأخيرة عائداً من تخوم الغواية، تاركاً يد صفية في الفراغ. ارتجف الضباب، وارتدت الأرض إلى صلابتها، وانحسر الضوء الغامض رويداً رويداً.

سارع يزن يتلمس جسده، يبحث عن نفسه بين حفنات الطين والرمل، فوجدها كما كانت، ولكن مثقلة بندبة لا تزول. شعر ببرد المساء يلسع وجهه، وها هي صورة الكوخ تبدأ تتكشّف أمامه، والسكون يعود يكسو جرف المصطبة السوداء بهالة من كآبة غامضة.

في البعيد، انطفأ صوت صفية، لمْ يبقَ منها إلا ظل خفيف يذوب في ضباب المساء. أما نداء الأم فقد صار أقوى وأكثر حضوراً؛ فتيقن أنه لم يخسر الحلم كله، ولم يعتق الألم تماماً، لكنه اختار أن يظل على الحدود الهشة بين العشق والفقد، بين الغيب والمعلوم.

وها هو عائد إلى الديار، كل خطوة تُشعل في قلبه غصة ونجمة، كأن ما حدث كان عبوراً أولياً لنهاية لم تكتمل، فقط تمهيد لفجر آت، حيث لن يبقى مكان للحلم إلا إذا أشعلت الاحتمال في رماد المسافة بين قلبين.

هناك، على بعد خطوات من الدار، وقف يزن يحدق في الضباب، وفي عينيه برق خافت… كأن زمناً آخر على وشك البدء.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش