SIROVANX
ابدأ الكتابة
القرية التي تختفي كل سبع سنوات

انكسار الدائرة

2 min · الفصل 8/8

ارتجّت أرض الكنيسة تحت أقدام سامي وليان، بينما تصاعدت الريح في أرجائها، واختلط صدى الصراخ ببكاء مكتوم وأصداء أجراس لم تدق منذ زمن. كانا يقفان في قلب الدائرة المنقوشة، والدفتر القديم بين يدي سامي، يحيط بهما سكان القرية المنسيون: وجوههم باهتة، عيونهم تتوسل الخلاص، وأجسادهم تذوب في الظلال كلما اقتربت عقارب الساعة العملاقة من الثالثة والثلاثين دقيقة.

تقدمت سلمى من خلف المذبح، ثوبها الأبيض يرفرف كوميض بين النور والعتمة، وعيناها تلمعان برجاء يائس. رفعت كفيها نحو الدائرة وقالت بصوت امتزج فيه الرجاء بالألم: "آن أوان الحقيقة. هنا تبدأ الحرية، وهنا تنتهي الدائرة. لا خلاص من اللعنة إلا بالاعتراف الصادق."

في تلك اللحظة، ظهرت نورهان عند حافة الضوء، طفلة وألف ظل في آن، نظرتها عميقة كأنها مرآة لكل ذنب خفي. اقتربت من سامي وهمست: "الدفتر ينتظر كلمتك الأخيرة. اكتب ما هربت منه طوال السنين."

ارتعشت يد سامي، وتردد صدى كلمات الشيخ صادق في ذاكرته: "لا تكرروا خطأنا." نظر إلى ليان، فوجد في عينيها خوفاً مشوباً بالأمل؛ لم يعد هناك مهرب من المواجهة.

فتح سامي الدفتر، وراح يكتب بصوت مرتجف، كل كلمة كأنها تقتلع شوكة من صدره: "أنا سامي الكيلاني... مذ كنت طفلاً، هربت من مواجهة موت والدي. أخفيت دموعي، وأوهمت نفسي أن الحقيقة ستقتلني. عشت أبحث عن أسرار الآخرين، لأهرب من سري. اليوم، أعترف بخوفي، وأواجه ضعفي، وأطلب الغفران من نفسي ومن أبي الذي لم أودعه كما يجب."

سكتت الريح لحظة، ثم تقدمت ليان، وجهها تغسله الدموع، وصوتها يخرج من أعماق جرح قديم: "وأنا... ليان مسعود. كل هذه السنوات أخفيت عن نفسي سر اختفاء أختي، خشيت أن أبحث عن الحقيقة فأجدها أقسى مما أحتمل. اختبأت خلف عدستي، التقطت صوراً للظلال كي لا أرى ظلي. اليوم أعترف بخوفي من معرفة مصيرها، وأتعهد أن أبحث عن نورها مهما كان الألم."

ساد صمت ثقيل، كأن العالم كله توقف ليستمع. لمعت دمعة في عين سلمى، ورفعت رأسها نحو القبة المتشققة: "الخطيئة لا تموت، لكنها تُغفر حين نواجهها. أنتما كسرتما الدائرة التي قيدتني وقيدت القرية منذ سبع دورات."

بدأت الظلال تتلاشى من حولهم، واحداً تلو الآخر: وجوه سكان القرية تستعيد ملامحها للحظة، ثم تبتسم وتذوب في النور. زفرت سلمى زفرة طويلة، وابتسمت لنورهان التي أومأت برأسها، ثم تلاشتا معاً في شعاع أبيض اخترق سقف الكنيسة.

تشققت أرض الدائرة، وانفتحت أبواب الكنيسة على مصراعيها. انحسر الضباب من الشوارع، وتراجع الليل أمام ضوء القمر المكتمل. في الخارج، بدت قرية السهوب ساكنة أخيراً، بلا أشباح ولا أصوات، كأنها تستعد للرحيل الأبدي.

وقف الشيخ صادق عند العتبة، عيناه تلمعان بدموع لم يذرفها من قبل. لم يقل شيئاً، فقط انحنى إيماءة خفيفة، كمن يشهد تحقق أمل انتظره عمراً.

خرج سامي وليان من الكنيسة، يداً بيد، وقد زال عنهما ثقل السنين. في يد سامي الدفتر، مفتوح على صفحة الاعتراف، والريح تقلب صفحاته برفق، كأنها تبارك بداية جديدة.

خلفهما، تلاشت القرية شيئاً فشيئاً تحت نور القمر، ولم يبقَ منها سوى ذكرى باهتة، ودفتر سامي المفتوح على الحقيقة. وفي الأفق، لمع القمر كابتسامة أخيرة من الليل، معلناً نهاية الدائرة، وبزوغ زمن لا مكان فيه للظلال المنسية.

**النهاية**

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش