SIROVANX
ابدأ الكتابة
القرية التي تختفي كل سبع سنوات

الشبح خلف المذبح

2 min · الفصل 7/8

ساد صمت ثقيل الكنيسة القديمة، كأن الزمن قد تجمد بين جدرانها. وقف سامي وليان أمام المذبح، تتلاحق أنفاسهما في هواء بارد يعبق برائحة الشمع والتراب العتيق. ارتجفت يد ليان وهي ترفع الكاميرا، فانعكست ظلالهما المتراقصة فوق الجدران المتشققة، بينما بقي دفتر الاعتراف مفتوحاً على الطاولة خلفهما، ينتظر كلمة الفصل.

همس سامي، كأن صوته يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً في الأعماق: "هناك أحد... يراقبنا. أشعر به في كل حجر هنا."

لم تكد كلماته تكتمل حتى دوّى في القبة صوت قهقهة خافتة، ليست قهقهة طفلة ولا أنين شيخ، بل ضحكة امرأة ممزوجة بالوجع، كأنها تصدر من قلب جرح لا يندمل. تجمدت ليان في مكانها، بينما تقدّم سامي بخطوات حذرة نحو المذبح، عينيه تتعلقان بالظلال المتراقصة خلفه.

من خلف المذبح، تجلت سلمى. بدت كطيف عروس في ثوب أبيض شاحب، ملامحها مشوشة إلا من عينيها المتقدتين بحزن عميق. رفعت يدها ببطء، وأشارت إليهما أن يقتربا. ارتجف صوت سامي وهو يسأل: "أ... أنتِ سلمى؟"

أجابت، وصوتها يتردد في أرجاء الكنيسة كأن الجدران نفسها تردد صداها: "كنتُ هنا قبلكما. ظننت أن الفضول يكسر الدائرة، لكنه فقط يشد سلاسلها. كل سبع سنوات تعود القرية... وكل من لم يعترف، يبقى أسيراً معي بين هذه الجدران."

اقتربت ليان خطوة، عيناها تتسعان برعب ودهشة: "هل... كنتِ أول من علق في الدائرة؟"

أومأت سلمى، ودمعة لامعة تتدحرج على خدها الشاحب: "كنتُ الأمل واللعنة معاً. ليلة اكتمال القمر، خانني من أحببت، وأُزهقت روحي ظلماً. منذها، لا تبرح روحي هذا المكان. كل حجر هنا يعرف السر ويبكيه... وكل اسم على هذا الجدار، قصة لم تُعترف بخطيئتها."

أشارت سلمى إلى الجدار خلف المذبح. هناك، انعكس ضوء الكاميرا على نقش دائري يتوسطه مفتاح، وتحيط به أسماء منسية محفورة بعناية. اقترب سامي، يقرأ الأسماء بأصابع مرتجفة، فلاحظ اسمه واسم ليان بين النقوش، كأنهما كانا مقدرين لهذا المصير منذ زمن بعيد.

شهقت ليان، تتراجع خطوة: "أسماؤنا... هنا؟ كيف...؟"

قالت سلمى بصوت خافت: "كل من دخل دائرة الزمن، كُتب اسمه هنا. لا خلاص إلا بالاعتراف. المفتاح ليس حجراً ولا رمزاً... بل كلمة تُقال من القلب."

في تلك اللحظة، علا صوت الشيخ صادق من خلف باب الكنيسة المغلق، يتردد بين الريح وهدير الظلال: "لا تكرروا خطأنا! اعترافكم هو النجاة. لا تفتحوا الباب قبل أن تكتبوا الحقيقة!"

ارتجفت النوافذ، واندفع هواء بارد عاصف ملأ الكنيسة، فتراقصت الظلال حول المذبح، كأنها أرواح حبيسة تنتظر التحرر. بدأ سقف الكنيسة يتصدع، وأصوات بكاء وضحك وصراخ مكتوم تتعالى من أركانها، فيما عقارب الساعة العملاقة على الجدار تتسارع نحو الثالثة والثلاثين دقيقة.

تقدمت سلمى نحو سامي وليان، عيناها تلمعان برجاء أخير: "أنا أول من علق في الدائرة، وأول من انتظر الاعتراف. الطريق إلى الحرية يمر بالألم... وبالصدق. لا تسمحوا للظلال بابتلاعكم كما ابتلعتني."

تبادل سامي وليان نظرات طويلة، وفي عيني كل منهما بريق خوف وومضة شجاعة. أدركا أن مصيرهما ومصير القرية قد ارتبطا في هذه اللحظة، وأن الاعتراف وحده هو المفتاح.

تصدع البلاط تحت أقدامهم، وانفتح خلف المذبح ممر دائري غمره ضوء باهت، يقود إلى قلب الدائرة. ارتفعت الأصوات والظلال، كأن الكنيسة كلها تدفعهما نحو الخطوة الأخيرة.

تقدما معاً، الدفتر في يد سامي، وقلباهما يخفقان بما لم يُكتب بعد—نحو الدائرة، حيث ستكتمل المواجهة وتنكسر اللعنة... أو يبتلعهما الليل إلى الأبد.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش