همسات الاعتراف
3 min · الفصل 6/8
تحت قبة الكنيسة القديمة، غمر الضباب البارد المكان حتى بدا كأن الجدران تتلاشى في بياض كثيف، وتضاعفت الظلال فوق المقاعد الخشبية المتهالكة. كلما تقدّم سامي وليان خطوة، ازدادت رهبة الفراغ واتسع الصمت، حتى صارت الأصوات همسات متقطعة تذوب في أرجاء القاعة.
قالت ليان بصوت خفيض، وهي تتشبث بذراع سامي: "لا أسمع إلا دقات قلبي... وكأن الزمن هنا لا يتحرك إلا بنا."
لم يجبها سامي. كان يحدق في المذبح الحجري، حيث حفرت رموز ودارات، بعضها طُمِس بعنف، كأن أحدهم أراد أن يمحو ذاكرة المكان. وفجأة، ارتج المكان بضحكة طفولية متكسرة، فالتفتا، ليجدا نورهان واقفة وسط الضباب، شعرها ينسدل على كتفيها، وعيناها تلمعان بحكمة غريبة.
قالت نورهان، ونبرتها تتأرجح بين الجد والهزل: "سألتم عن الحقيقة... لكن الحقيقة لا تخرج إلا حين تُسفك الدموع الأولى."
أشارت بيدها الصغيرة إلى باب جانبي. انفتح الباب بصرير طويل، وتدفق منه هواء بارد وهمسات غامضة. ترددت ليان لحظة، ثم تبعت سامي بخطوات مترددة إلى الداخل. الغرفة الجانبية كانت أضيق وأشد عتمة، تتدلى من سقفها شمعة يتراقص لهبها كأنها تخشى أن تنطفئ.
في قلب العتمة، ظهرت سلمى. كانت ملامحها أكثر وضوحاً من أي مرة سابقة: شعرها الأسود ينسدل على ثوبها الأبيض، ووجهها يشعّ بحزن عميق وحنان يائس. حين تحدثت، بدا صوتها مألوفاً لسامي، كأن صدى من طفولته عاد ليطارده:
"سامي... ما زلت تحمل ذلك الدفتر، أليس كذلك؟ الدفتر الذي أخفيت فيه أول خوف، وأول ذنب."
ارتبك سامي، وتراجع خطوة، لكن سلمى تقدمت نحوه حتى كاد يشعر بأنفاسها الباردة على وجهه. قالت ليان، وهي تراقب المشهد بعينين دامعتين: "سلمى... لماذا نحن هنا؟ ما الذي تريدينه منا؟"
أجابت سلمى، والدموع تلمع في عينيها: "أنا ظل العروس التي لم ترَ الفجر. أنا أول من علق في الدائرة. لا خلاص هنا إلا بالاعتراف، لا خروج من الكنيسة حتى تكتبوا ذنوبكم بصدق. كل ما أنكرتموه، كل ما هربتم منه، سيظل يطاردكم سبع سنوات أخرى إن لم تبوحوا به الليلة."
تردد صدى كلماتها في جدران الغرفة، فشعر سامي أن قلبه ينقبض. رأى أمام عينيه صورة والده، الدماء تلطخ جبينه، وصوته يهمس: "لا تخف يا سامي، الحقيقة أثقل من الموت أحياناً." تسمرت يداه فوق جيبه حيث يخبئ دفتره القديم، ذاك الدفتر الذي لم يجرؤ يوماً على فتحه منذ الليلة التي فقد فيها والده.
فجأة، دوى صوت دقات الساعة من جديد، أسرع وأشد من قبل. اهتزت الكنيسة كلها، وارتجت الأرض تحت أقدامهم. ظهر الشيخ صادق عند المدخل، وجهه شاحب، يحمل صليباً خشبياً يرتجف في يده.
صرخ بصوت مبحوح: "الوقت ينفد! الدائرة تكتمل الليلة. من لم يعترف، يظل حبيس القرية والظلال إلى الأبد!"
تراجعت ليان نحو الجدار، عيناها تتشبثان بسامي: "لا أريد أن أضيع هنا... لا أريد أن أكون مجرد ذكرى أخرى في هذه الكنيسة."
تقدمت نورهان، اقتربت من سامي، وهمست له: "افتح الدفتر. اكتب ما لم تجرؤ على قوله. الاعتراف وحده يفتح الباب."
ارتجف سامي، شعر بيد سلمى الباردة تمسك يده، تقوده نحو طاولة صغيرة عند زاوية الغرفة. فوقها وُضع الدفتر القديم، مفتوحاً على صفحة بيضاء، وريشة حبر تنتظر.
قالت سلمى، وصوتها يختلط بأنين الريح: "الآن، يا سامي... إما أن تواجه، أو أن تظل أسيراً هنا، أنت وكل من ضل طريقه للنجاة."
تلاقت عينا سامي بعيون ليان، فقرأ فيها خوفها وندمها وحنينها إلى أختها الغائبة. شعر أن كل ما هرب منه طوال حياته قد تجمع في هذه اللحظة، وأنه لا مفر من البوح.
خارج الغرفة، اشتد الضباب وتضاعفت الظلال، كأن الكنيسة كلها تتهيأ للحظة الفصل. دقات الساعة تتسارع، والأصوات تتداخل بين بكاء وضحك وصراخ مكتوم.
مد سامي يده نحو الدفتر، وفي عينيه دمعة لم يعرفها من قبل. أما ليان، فوقفت إلى جواره، يداها ترتجفان، كأنها تنتظر دورها في الاعتراف.
في ذلك السكون المشحون، انفتح باب الغرفة ببطء، وانسابت خيوط ضوء خافتة تقود إلى المذبح، حيث تنتظر المواجهة الأخيرة مع سلمى، وتكتمل دائرة الاعتراف.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش