SIROVANX
ابدأ الكتابة
القرية التي تختفي كل سبع سنوات

عبور العتبة

2 min · الفصل 2/8

لم يكن للقمر أن يكتمل في تلك الليلة إلا ليغمر الرمال بضوءه الشاحب، كأنما يوقظ من باطن الصحراء أشباحاً نائمة. تقدمت سيارة سامي الكيلاني ببطء وسط السكون، وليان إلى جواره تمسك بالكاميرا بقوة، كأنها تستمد منها شجاعة لمواجهة المجهول. خلفهما، كان أثر الشيخ صادق وتحذيراته ما يزال يطن في الأذهان، وأمامهما امتدت الصحراء بلا نهاية، حتى تلاشت معالمها في ضباب رملي كثيف.

قالت ليان، تحدق عبر الزجاج: "هل ترى شيئاً؟ الرمال تبدو وكأنها تتحرك."

أجاب سامي، وعيناه تراقبان الأفق: "هناك... شيء يتكوّن. انظري، تلك الظلال... كأنها بيوت تظهر من العدم."

مع كل خطوة تقدما بها، تراجعت الريح وبدأ الضباب ينقشع ببطء، لتتجسد أمامهما قرية السهوب، وكأنها انبثقت من رحم الرمل في لحظة واحدة. بيوت طينية مشوهة، جدرانها متصدعة، تتمايل ظلالها فوق الأزقة الخالية. الهواء هنا أثقل، يحمل رائحة تراب قديم وذكريات منسية.

توقف سامي عند مدخل الساحة المركزية، حيث بدت دائرة من النقوش الغامضة محفورة في الأرض. في وسط الدائرة، انتصبت ساعة ضخمة، عقاربها جامدة تشير إلى الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة. لم يتحرك الزمن، وكأن القرية بأكملها حُبست في لحظة واحدة لا تنتهي.

همست ليان، تتأمل الساعة: "الوقت هنا... ميت."

قبل أن ينطق سامي بكلمة، دوّى جرس مكتوم من جهة الكنيسة القديمة. ارتجفت جدرانها الحجرية، وتسلل الضوء البارد عبر نوافذها الزجاجية المحطمة. بدت الكنيسة شامخة وسط الخراب، يلفها جلال غامض وهمسات لا يفهمها أحد.

اقتربا من الباب الخشبي الثقيل، فانبثقت من الظلال امرأة شاحبة، ترتدي فستان زفاف باهتاً تلطخه الرمال. عيناها دامعتان، وفي نظرتها حزن عتيق يصعب وصفه. وقفت أمامهما، كأنها تمنع الطريق جسداً وظلاً.

تراجعت ليان خطوة، وقالت بصوت خافت: "من أنتِ؟"

أجابت المرأة بنبرة كأنها لحن قديم: "سلمى... سلمى التي تنتظر ساعة البوح."

تقدمت نحو سامي، ومدّت يدها الشاحبة في الهواء، كأنها تلامس شيئاً لا يُرى. همست بصوت يختلط فيه الرجاء واليأس: "ثلاثة وثلاثون... مفتاح الدائرة. من يدخل الكنيسة لا يخرج إلا إذا عرف سر الدمعة الأولى."

ارتعشت الكلمات في الفضاء، ثم تلاشت سلمى فجأة بين الظلال، تاركة خلفها صدى يلتف حول جدران الكنيسة.

ساد صمت ثقيل، ثم ارتفعت من الجدران أصوات خافتة: بكاء، وضحك، وأنين متداخل، حتى شعر سامي بدوار يعتصر رأسه. حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن الهواء بدا أبرد من المعتاد، يحمل همسات غامضة تناديه بالاسم.

قال سامي، وصوته بالكاد يسمع: "سمعتِ هذا؟ إنهم... ينادوننا."

أجابت ليان، تقبض على كاميرتها بقوة: "الأصوات تأتي من كل مكان. كأن القرية تعرفنا."

في تلك اللحظة، لاحظ سامي دائرة النقوش تحت أقدامهما، تلمع خطوطها في ضوء القمر، كأنها ترسم مساراً خفياً نحو الكنيسة. وتحت الساعة المتوقفة، رأى نقشاً بالكاد يُقرأ: "من يعبر الدائرة، لا يعود إلا إذا اعترف بالدمعة الأولى."

تبادل سامي وليان نظرة قلق ودهشة. أدركا أن الزمن هنا معطّل، وأن القرية لا تسمح بالخروج إلا بكشف سرها الدفين. وكلما تقدما خطوة، اتسعت الهوة بينهما وبين العالم الذي يعرفانه، وصار كل شيء حولهما ينضح برهبة الرعب القديم.

في الأفق، بدأت ظلال جديدة تتراقص، وأزيز الساعة الصامتة لا يهدأ. ومع اشتداد الضباب حول الكنيسة، أدركا أن عليهما البحث عن إجابات في دائرة الزمن، حيث تبدأ الحكاية وتنتهي.

(يتبع في الفصل التالي: دائرة الزمن)

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش