التحذير الأول
3 min · الفصل 1/8
كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل حين جلس سامي الكيلاني في غرفته، يحدق في شاشة الحاسوب التي انعكس وهجها الباهت على وجهه المتعب. الريح تعصف بالنافذة، تملأ الأجواء بصوتها القاسي، بينما سكون مضطرب يخيم على المكان. فجأة، ارتجف الضوء على الشاشة مع وصول إشعار بريد إلكتروني جديد، يحمل عنواناً واحداً فقط: "احذر".
تردد سامي لحظة قبل أن يضغط على الرسالة. ظهرت كلمات متقطعة، كأنها كتبت بيد مرتعشة أو عبر آلة مختلة:
"سامي... أنت لا تعرفني. لا تذهب... الكنيسة القديمة... قرية السهوب... اكتمال القمر... الظلال تعود... الخطيئة لا تموت... سيبتلعكم الليل كما ابتلعنا. اهرب."
تسارعت أنفاسه وارتجفت أصابعه. أعاد قراءة السطور، ثم رفع عينيه إلى دفتر ملاحظاته القديم، حيث خط قبل سنوات جملة ما زالت تؤرقه: "الخطيئة لا تموت". لم يكن يعلم لماذا ارتبطت تلك العبارة بماضٍ يأبى النسيان.
رن هاتفه فجأة، قاطعاً الصمت الثقيل بنغمة مرتعشة. كان اسم ليان مسعود يضيء الشاشة—صديقته والمصورة التي شاركته مغامراته الصحفية، والتي تعرف جيداً أن الفضول عنده أقوى من الخوف.
جاء صوتها من الطرف الآخر، يحمل رجفة لم يعتدها: "سامي؟ هل وصلك شيء... غريب الليلة؟"
تردد، ثم أجاب: "رسالة. تحذير عن قرية السهوب والكنيسة القديمة. وأنتِ؟"
تنهدت ليان، ثم قالت بصوت خافت: "وصلتني صورة، ضبابية. ظل امرأة واقفة أمام باب كنيسة، وعينان تنظران إليّ من العتمة. لا أعرف من أرسلها."
ساد صمت ثقيل، كأن الليل نفسه يبتلع الكلمات. ثم قال سامي، يحاول أن يخفي قلقه: "يبدو أن أحدهم يريد إبعادنا. لكن... ألسنا نبحث عن الحقيقة دائماً؟"
ضحكت ليان بخفة مرتجفة، محاولة طرد التوتر: "أعرفك جيداً. إن قيل لك لا تذهب، ستذهب فوراً!"
ابتسم سامي رغم اضطرابه، وقال: "سنلتقي صباحاً. سنذهب إلى السهوب. هذه القصة لن تكتب نفسها."
***
مع انبلاج الفجر، انطلقت سيارة سامي تشق الصحراء، وليان إلى جواره. الرمال تمتد بلا نهاية، والضباب يعلو الأفق كستار ثقيل. كان الصمت بينهما مشوباً بالقلق، تقطعه أحياناً كلمات ليان المترددة:
"كلما اقتربنا، أشعر أن ظلي يثقل أكثر... كأن شيئاً ينتظرنا هناك."
رد سامي وهو يراقب الأفق: "القصص المخيفة تبدأ دوماً بتحذير غامض وقرية منسية وكنيسة مهجورة. لكننا نعرف أن الحقيقة تختبئ خلف الخوف."
اقتربا من كوخ قديم عند تخوم السهوب، فخرج إليهما شيخ نحيل، لحيته بيضاء وعيناه غائرتان في زمن لا يعرفه أحد. كان الشيخ صادق، حارس أسرار القرية.
تقدم سامي قائلاً: "يا عم الشيخ، نبحث عن قرية السهوب. سمعنا أنها تظهر وتختفي، وأن الكنيسة هناك تحمل سراً."
رفع الشيخ عصاه وهز رأسه بيأس، ثم قال بصوت متشقق: "كل سبع سنين، تخرج القرية من جوف الرمل ساعة اكتمال القمر. الأرواح التائهة تعود، والكنيسة... لا تدخلوها بعد منتصف الليل مهما حدث. من يدخلها، قد لا يعود إلا جسداً بلا روح."
تبادلت ليان وسامي نظرة صامتة. خلفهما، كانت الظلال تطول مع اقتراب الغروب، والريح تسكت رويداً رويداً، كأنها تتنصت لما سيحدث.
همس الشيخ صادق، وقد اشتد صوته خوفاً: "الليلة سيعود كل شيء. حتى الريح، ستسكت إذا بان القمر. احذروا... فالخطيئة لا تموت."
تردد سامي للحظة، ثم التفت إلى ليان، فوجد في عينيها انعكاس القلق والفضول معاً. لم يكن أي منهما مستعداً للعودة قبل أن يعرف الحقيقة.
انطلقت السيارة ببطء نحو قلب المجهول، والرسالة الغامضة تطن في أذن سامي: "الخطيئة لا تموت... سيبتلعكم الليل." خلفهم، ظل الشيخ صادق يراقب الغبار المتطاير، بينما أمامهم كانت الصحراء تبتلع الضوء، وتعدهما بلقاء أول مع أسرار لا تعرف الرحمة.
واصلت السيارة طريقها، والتوتر يتصاعد، كأنهما يقتربان من عتبة عالم آخر، حيث لا فرق بين الذكرى والظل، ولا مهرب من مواجهة الذات.
(يتبع في الفصل التالي: عبور العتبة)
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش