SIROVANX
ابدأ الكتابة
البيت الذي لا يجرؤ أحد على تسميته

الغرفة التي تنظر إليك

3 min · الفصل 4/5

كل درجة صعدها سالم كانت تبدو أثقل من سابقتها.

الخشب تحت قدميه لم يكن يصرخ كأرضية قديمة، بل كان يصدر أصواتًا خافتة تشبه الأنين... كأن الدرج نفسه يشتكي من كل خطوة يخطوها.

ومع كل درجة، كانت برودة الهواء تزداد.

حتى أصبح زفيره يظهر أمامه كخيوط بيضاء تتلاشى في الظلام.

توقف في منتصف السلم.

التفت خلفه.

الطابق السفلي بدا بعيدًا بشكل غريب، أبعد مما ينبغي.

وكأن المسافة التي صعدها أكبر من مجرد بضع درجات.

أغمض عينيه لثانية.

ثم أكمل الصعود.

عندما وصل إلى الأعلى، تجمد في مكانه.

كان أمامه ممر طويل وضيق.

طويل أكثر مما يجب.

فهو يتذكر شكل البيت من الخارج جيدًا، ويعلم أن هذا الممر لا يمكن أن يكون بهذا الطول.

لكن الحسابات لم تعد مهمة.

لأن شيئًا آخر جذب انتباهه.

الأبواب.

كانت جميعها مغلقة.

والمفترض أن يغطيها الغبار مثل كل شيء في الأسفل.

لكنها كانت...

نظيفة.

نظيفة بصورة مقلقة.

كأن أحدًا يعتني بها.

أو يستخدمها.

شعر سالم بقشعريرة تسري في جسده.

ثم رآه.

باب في نهاية الممر.

مفتوح قليلًا.

مجرد شق صغير.

لكن ظلامًا كثيفًا كان ينساب من داخله.

وفي تلك اللحظة...

سمع الصوت.

همس.

خافت جدًا.

حتى إنه لم يكن متأكدًا إن كان قد سمعه حقًا.

ثم تكرر.

كلمات غير مفهومة.

وصوت يشبه التنفس البطيء.

ابتلع ريقه.

وبدأ يسير.

خطوة.

ثم أخرى.

وكلما اقترب من الباب، أصبح الهمس أوضح.

لكنه ظل غير مفهوم.

وكأن عدة أصوات تتحدث في الوقت نفسه.

توقف أمام الباب.

رفع يده.

ولمس الخشب.

فارتجف.

كان باردًا.

باردًا إلى درجة مؤلمة.

كأنه قطعة من الجليد.

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم دفع الباب.

انفتح ببطء.

وكانت الغرفة في الداخل...

مختلفة.

بشكل مرعب.

لم تكن متهالكة.

لم تكن متشققة.

ولم يكن فيها غبار.

بدت الغرفة وكأن أحدًا غادرها قبل دقائق فقط.

الجدران نظيفة.

الأرضية نظيفة.

والهواء ساكن.

هادئ بصورة غير طبيعية.

وفي منتصف الغرفة...

كانت تقف المرآة.

كبيرة.

أكبر من أي مرآة رآها في حياته.

تمتد من الأرض إلى السقف تقريبًا.

ويحيط بها إطار أسود داكن، لا يبدو مصنوعًا من الخشب أو المعدن.

بل من شيء أقدم.

شيء لا يعرف اسمه.

اقترب منها ببطء.

وكان أول ما لاحظه...

أنها لا تعكس الضوء.

بل تبتلعه.

سلط المصباح عليها.

لكن سطحها بقي مظلمًا.

كأن النور يختفي بمجرد أن يلمسها.

همس:

"ما هذا الشيء؟"

رفع الكاميرا.

وجهها نحو المرآة.

ثم نظر إلى الشاشة.

وتوقف قلبه.

في الشاشة...

بدت المرآة أصغر.

وأبعد.

خفض الكاميرا.

نظر إليها مباشرة.

كانت أمامه تمامًا.

قريبة.

قريبة جدًا.

رفع الكاميرا مجددًا.

عادت بعيدة.

خفضها.

اقتربت.

بدأت أنفاسه تتسارع.

كان الواقع نفسه يتغير.

أو ربما...

هو الذي يتغير.

اقترب أكثر.

حتى وقف أمامها مباشرة.

ورأى انعكاسه.

لكن شيئًا ما كان خاطئًا.

تحرك قليلًا.

الانعكاس لم يتحرك.

ظل ثابتًا.

ثم...

بعد نصف ثانية كاملة...

قلده.

تجمد سالم.

رفع يده ببطء.

لكن انعكاسه لم يرفع يده فورًا.

بل نظر إلى يده أولًا.

ثم رفعها.

وكأنه...

يفكر.

تراجع سالم خطوة.

لكن الانعكاس لم يتراجع.

بقي في مكانه.

ينظر إليه.

حدق الاثنان في بعضهما.

ثم حدث الشيء الذي حطم كل ما تبقى من منطقه.

الانعكاس...

ابتسم.

أما سالم...

فلم يكن يبتسم.

شعر وكأن قلبه توقف.

همس بصوت مرتجف:

"هذا ليس انعكاسي..."

وفجأة...

أضاءت الكاميرا.

من تلقاء نفسها.

التقطها بسرعة.

ونظر إلى الشاشة.

فرأى الغرفة.

لكن بدون المرآة.

وبدون نفسه.

كانت فارغة تمامًا.

رفع عينيه إلى الواقع.

المرآة ما زالت أمامه.

والانعكاس ما زال ينظر إليه.

عاد إلى الشاشة.

لا شيء.

عاد إلى المرآة.

شهق.

لأن انعكاسه أصبح أقرب.

أقرب بكثير.

كأنه تقدم خطوة واحدة...

من الداخل.

سقطت الكاميرا من يده.

وارتطم صوتها بالأرض.

لكنها استمرت في التسجيل.

بدأ الضوء يتقطع.

والغرفة كلها بدت وكأنها تتنفس.

الجدران تنكمش.

ثم تتمدد.

الأرضية ترتجف.

والهواء أصبح أثقل.

ثم...

خرج صوت.

ليس من خلفه.

ولا من أمامه.

بل من داخل المرآة نفسها.

صوت خافت.

هادئ.

لكنه واضح تمامًا.

قال:

"أخيرًا..."

تجمد الدم في عروق سالم.

حاول أن يتحرك.

أن يهرب.

لكن قدميه لم تستجيبا.

رفع الانعكاس يده ببطء.

ووضع كفه على سطح المرآة...

من الداخل.

ثم بدأ السطح الأسود يتموج.

مثل الماء.

مثل بوابة تُفتح.

"لا..."

خرجت الكلمة من فم سالم كهمسة مكسورة.

بدأت اليد تعبر.

أصابع طويلة.

بشرة شاحبة.

ثم الذراع.

ثم الوجه.

وجهه هو.

لكن بعينين فارغتين تمامًا.

لا بياض فيهما.

ولا حدقة.

فقط ظلام.

نظر الشيء إليه.

وابتسم.

وفي اللحظة التي لامست فيها قدمه أرض الغرفة...

انطفأ المصباح.

وانطفأت الكاميرا.

واختفى الهمس.

وسقط البيت كله في صمت مطلق.

صمت ثقيل...

كأن العالم حبس أنفاسه.

لأن شيئًا ما...

عبر إلى الجانب الآخر.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش