SIROVANX
ابدأ الكتابة
البيت الذي لا يجرؤ أحد على تسميته

من بقي في الداخل

4 min · الفصل 5/5

عاد الضوء.

لكن ليس ضوء المصباح.

وليس ضوء القمر.

بل نور باهت رمادي، يأتي من مكان لا يمكن تحديده، كأنه ينبعث من الهواء نفسه.

فتح سالم عينيه ببطء.

كان مستلقيًا على أرض باردة.

حاول أن ينهض.

فشل.

شعر بثقل غريب في جسده، كأن الهواء نفسه تحول إلى ماء كثيف يعيق حركته.

التقط أنفاسه بصعوبة.

ثم رفع رأسه.

وتجمد.

الغرفة ما زالت هي نفسها.

الجدران نفسها.

الأرضية نفسها.

والمرآة...

لكن شيئًا واحدًا تغير.

الصمت.

لم يكن صمت منزل مهجور.

بل صمت مكان لا توجد فيه حياة.

لا صوت لنبضه.

لا صوت لأنفاسه.

لا حتى صدى لحركته.

وكأن العالم كله...

ميت.

نهض أخيرًا.

ترنح قليلًا، ثم نظر نحو المرآة.

ورأى نفسه.

أو ما ظنه نفسه.

على الجهة الأخرى.

يقف.

ينظر إليه.

وفي يده...

الكاميرا.

اقترب سالم ببطء.

رفع يده.

الآخر لم يفعل.

طرق على سطح المرآة.

لا صوت.

ضربها بقوة.

لا شيء.

لم يكن زجاجًا.

كان أشبه بحاجز شفاف يفصل بين عالمين.

عندها فقط...

فهم.

تراجع خطوة.

ثم خطوتين.

وهمس بصوت مكسور:

"لا..."

رفع رأسه من جديد.

الرجل الآخر ما زال واقفًا.

بنفس ملامحه.

بنفس جسده.

بنفس ثيابه.

لكنه لم يكن هو.

أبدًا.

ابتسم ذلك الشيء.

ابتسامة هادئة.

طبيعية بصورة مرعبة.

ثم انحنى ببطء والتقط الكاميرا من الأرض.

رفعها.

وجه العدسة نحو سالم.

وكأنه يصوره.

ثم تحدث.

بصوت سالم تمامًا.

دون اختلاف واحد.

قال:

"أنت الآن... في المكان المناسب."

ضرب سالم الحاجز بكل قوته.

صرخ.

صرخ حتى احترق حلقه.

لكن لا صوت خرج.

لا شيء.

حتى صرخاته...

لم تعد موجودة.

أما ذلك الشيء، فقد اكتفى بالنظر إليه.

ثم أطفأ الكاميرا.

واختفى الضوء.

في صباح اليوم التالي...

استيقظت القرية على خبر غريب.

رأى أحد الرعاة شابًا يسير خارج الغابة الشمالية.

كان سالم.

على الأقل...

هذا ما بدا للجميع.

كانت ملابسه نظيفة.

وجهه هادئًا.

وخطواته ثابتة.

كأنه عاد من نزهة قصيرة.

اقترب منه أحد الرجال وسأله:

"أين كنت طوال الليل؟"

رفع سالم عينيه إليه.

واستغرقت إجابته ثوانٍ أطول مما ينبغي.

ثم قال:

"كنت... أصور."

ابتسم.

ومضى في طريقه.

لكن ابتسامته تركت خلفها شعورًا باردًا لم يستطع الرجل تفسيره.

مرت الأيام.

وعاد سالم إلى حياته.

أو هكذا ظن الجميع.

كان يعمل.

يتحدث.

يأكل.

وينام.

لكنه أصبح مختلفًا.

هادئًا أكثر من اللازم.

لا يغضب.

لا يضحك كثيرًا.

ولا ينظر في أعين الناس إلا لثوانٍ قصيرة.

وأحيانًا...

كان يبتسم في مواقف لا تستدعي الابتسام.

وكأنه يرى شيئًا لا يراه أحد.

ثم بدأ أهل القرية يلاحظون أمرًا آخر.

في بعض الليالي...

كانت أضواء غرفة سالم تبقى مضاءة حتى الفجر.

وعندما ينظرون من نافذته...

يرونه جالسًا أمام مرآة صغيرة.

لا يتحرك.

فقط...

ينظر.

بعد أسبوع، قرر العم حمد زيارته.

كان الرجل العجوز ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

طرق الباب.

وبعد لحظات...

فتح سالم.

نظر الاثنان إلى بعضهما.

صمت طويل.

ثقيل.

ثم قال العم حمد بصوت منخفض:

"أين هو؟"

لم يفهم أحد لو سمع السؤال.

لكن سالم...

فهم.

ارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة.

وأجاب:

"في الداخل."

أغمض العم حمد عينيه.

كأنه كان يخشى هذه الإجابة منذ زمن بعيد.

ثم همس:

"إذن... حدث ذلك مرة أخرى."

رفع سالم رأسه قليلًا.

وقال:

"بل يحدث منذ زمن طويل."

نظر إليه العم حمد ببطء.

وكان الخوف واضحًا في عينيه.

ثم سأل السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه من قبل:

"كم واحدًا... هناك؟"

اتسعت ابتسامة سالم.

ونظر إلى المرآة المعلقة خلف العم حمد.

ثم قال بهدوء:

"أكثر مما تتخيل."

شحب وجه العجوز.

لأنه رأى شيئًا في المرآة.

شيئًا لم يكن خلفه قبل لحظة.

وجوهًا.

عشرات الوجوه.

تحدق إليه من الظلام.

ثم اختفت.

نهض العم حمد بسرعة.

وتراجع نحو الباب.

لكن سالم لم يمنعه.

بل ظل يبتسم فقط.

وقبل أن يغادر، قال بصوت هادئ:

"لا تقلق... لن يبقى وحده."

توقف العم حمد.

وشعر ببرودة تخترق عظامه.

ثم سأل بصوت مرتجف:

"من؟"

أجاب سالم:

"الذي في الداخل."

في تلك الليلة...

وقف شاب من القرية عند حدود الغابة الشمالية.

كان قد سمع القصص كلها.

وكان يؤمن أنها مجرد خرافات.

تمامًا كما كان سالم يؤمن يومًا.

نظر إلى البيت.

كان مظلمًا.

صامتًا.

لكن هذه المرة...

بدا مختلفًا.

لم يكن ينتظر.

بل كان...

يدعو.

تقدم الشاب.

فتح الباب.

ودخل.

وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب خلفه...

ارتسمت ابتسامة بطيئة على وجه سالم، وهو ينظر إلى انعكاسه في المرآة.

ثم همس:

"واحد آخر..."

وفي الطابق العلوي من ذلك البيت المنسي...

داخل الغرفة التي لا ينبغي أن توجد...

وقفت المرآة.

أكبر من قبل.

أعمق.

وأكثر ظلمة.

وعلى سطحها الأسود...

لم يكن هناك انعكاس واحد.

ولا اثنان.

بل وجوه لا حصر لها.

وجوه رجال ونساء وأطفال.

وجوه أشخاص اختفوا منذ عشرات السنين.

وجوه تتحرك ببطء.

تراقب.

وتنتظر.

وفي أعمق نقطة من الظلام...

كان سالم الحقيقي يقف.

يضرب الحاجز بيديه.

ويصرخ دون صوت.

لأنه أدرك الحقيقة أخيرًا.

البيت لم يكن مسكونًا.

البيت...

كان يصطاد.

وكل من يدخله...

يترك شيئًا خلفه.

ونادرًا...

يخرج وحده.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش