الرحلة تبدأ
2 min · الفصل 4/10
هدير مكبوت يتسلل من أعماق الحافلة كما لو كان أنين وحش هشّمته السنون، ثم اهتزت الأرض تحت أقدامهم، فشعر الجميع بأن المقاعد تبتلعهم رويداً رويداً. محرك الحافلة القديمة يستيقظ أخيراً، صوته كصرير الألم في ليل بلا أمل. تحرّكت دفعة واحدة، دون أن يمسّها سائق أو يمسك زمامها أحد. خارج النوافذ، كان الضباب ينفلق عن شبح طريق متعرج، يهبط بهم نحو بطن الجبل كأنهم يسقطون في هاوية النسيان.
زمّت سارة شفتيها، علقت عيناها على يديها المرتجفتين. همست بصوت بالكاد يسمع: – إلى أين تحملنا هذه الحافلة؟ لم يجب أحد. كان رامي يحدق في ركاب الحافلة الجامدين، محاولاً أن يميز وجوهاً اختلطت عليه بين الموتى والأحياء. كلما مر الضوء الواهن على وجه من تلك الوجوه، ارتجف قلبه: هل يمكن أن يكون بينهم والده الغائب؟ أيّ ليل هذا الذي يجمع الأحبة والأشباح في مقعد واحد؟
انزلقت الحافلة في ليل الجبل، وتبدّل كل شيء فجأة. النوافذ التي كانت قبل لحظات مغبشة بالبخار، صارت مرايا شاحبة لماضٍ لا ينام. رأى يوسف نفسه صبياً صغيراً، يقف في مدخل بيت قديم تهب فيه رياح الذكرى. طرقات متعرجة، أقدام تجرها الندم. غمر المشهد عينيه، حاول أن يغضّ الطرف، لكن الصورة التصقت بالزجاج.
– هل ترون ما أرى؟ – تمتم يوسف، صوته يخنقه الخوف. أجابت ليلى، وقد شدّت على معصمها كأنها تتجنب غرقاً وشيكاً: – النوافذ... إنها ليست نوافذ. إنها أعيننا حين كنا نريد أن ننسى. ضحك طارق ضحكة قصيرة، بلا فرح: – لا شيء ينسى هنا، كل ما هربنا منه يركب معنا.
هبت الحافلة فجأة منعطفاً قاسياً، ارتجت المقاعد وتلألأ الضوء في عيونهم لحظة قصيرة. وثب صوت ليلى من حنجرتها المرتجفة: – أمي...! شهدت عبر النافذة امرأة تبتسم بحزن، تلوح بشال أسود كما في آخر لقاء جمعهما. امتدت يد ليلى نحو الزجاج، فاختلط بخار أنفاسها بندى الذكرى، العالقة بين الرجاء والخذلان. – لماذا الآن؟ لماذا تعودين حين لا يمكنني إلا أن أعجز؟
أما سارة، فقد تجسدت أمامها صورة أختها الصغيرة، تركض بين أرجوحة وحديقة منسية. لمعت الدموع في عينيها، لكنها لم تستطع أن تصرخ، كأن الصوت حُبس في صدرها. – هذا المكان لا يريد لنا الهرب، – قالت بصوت متهدج. أجاب رامي وهو يشد قبضته على المقعد: – بل يريد أن يبتلعنا، أن نمرّ عبر كل ما دفناه في أعماقنا.
انحنت الحافلة أكثر في طريقها الجبلي، وانقلب الليل حولهم ساحة من صور متلاحقة: أب غائب، أم راحلة، أخ مفقود، صديق مغدور. أصبح الزجاج مسرحاً لجراحهم، والمقاعد زنزانات لا خلاص منها. حدق طارق في نافذته، لم ينبس بكلمة، لكن الدمعة التي انسابت على وجنته كانت اعترافاً صامتاً.
تناهى لصوتهم أنين الحافلة، كأنها تئن من حمولة الذكريات. وفي لحظة سكون ثقيلة، همس رامي بغُصة: – هل سنصل يوماً إلى نهاية الطريق؟ أم سنظل ندور في متاهة ماضي لن يغفر لنا؟
خيم الصمت، وفي عيونهم امتزجت الحسرة بالخوف، كأن الليل قرر أن يكون أبديّاً، لا ضوء فيه إلا ما تشعله الذكرى من جمرٍ تحت رماد القلب.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش