SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

الركاب الصامتون

2 min · الفصل 3/10

من بين دكنة الحافلة القديمة، لاح ظلٌّ يتراقص على جدرانها المتهالكة، كأن العتمة تستحيل كفناً يلتف حول الوجوه. كان الصقيع ينهش العظام، والأنفاس تتكاثف على الزجاج الملطخ آثار أيدٍ مجهولة. جلس الأصدقاء متقاربين، نظراتهم تتصادم في المرآة المعتمة، كل منهم يختبر خوفه على طريقته.

تقدمت سارة ببطء، استمدت شجاعتها من رعشة في يد رامي حين أمسك بمعصمها. نظرت إلى المقعد الأمامي، حيث يجلس رجل جامد الوجه، عيناه غائرتان، قدماه مشدودتان إلى الأرض كأنما جذرتهما الحافلة نفسها. لم يبدُ عليه أثر نبض أو نفس، فقط ذلك الشحوب الذي يكسو الموتى في برودة الليل.

قال يوسف بسخرية جافة، محاولاً كسر الرهبة: ـ "ربما انتظر هؤلاء هنا منذ آخر عاصفة. لعلهم أصدقاء الريح، أو ضحاياها." أجابته ليلى، دون أن تحيد بنظرها عن امرأة مقنعة في المقعد المقابل: ـ "أشعر كأنهم يراقبوننا من خلف أقنعتهم… أرواح بلا فم ولا صوت."

أرادت أن تبدو ساخرة، لكن ارتجاف صوتها فضح قلقها. اقتربت أكثر، حدقت في تفاصيل وجه المرأة الباهت: كان هنالك شبه غامض بينها وبين صورة قديمة في درجها، صورة والدها الراحل قبل أن يبتلعه الظل. شعرت ليلى بقبض في صدرها، وانحباس دمعتها.

تمتمت، كأنها تحدث نفسها: ـ "هذا مستحيل… وجهها كوجه أبي حين كان يعود من الغياب، كأن الحزن هو قناعهم جميعاً."

استدار طارق فجأة، عيناه تلمعان وسط الظلال: ـ "ليلى… رأيت شبح أختي على المقعد الخلفي. كان ذاك حجابها، وتلك نظرتها قبل أن تختفي."

تجمدت الأصوات، وصار لصوت الريح وقع النواح في مقبرة مهجورة. ابتلع يوسف ريقه بصعوبة، ثم حاول أن يبدو عقلانياً: ـ "لسنا في مسرح للأشباح. هذه خدعة من عقول متعبة وليل طويل. ركاب مثلنا، ربما ضلوا الطريق قبلنا."

لكن الحافلة ظلت ساكنة، والركاب الصامتون لم يرمش لهم جفن. كان الزمن فيها مكثفاً، كأنه توقف عن الدوران. ولاحت لرامي فكرة مرعبة: ماذا لو لم يكونوا وحدهم؟ ماذا لو كانت وجوه الركاب انعكاساً لما فقدوه يوماً، أو لما يخشون أن يفقدوه؟

همست سارة وهي تضم معطفها إلى صدرها المرتجف: ـ "أشعر أن الحافلة تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا."

لم يرد أحد. شق صمتهم صوت خافت من المقعد الأخير، همهمة أو أنين، كأن الحافلة تتنفس من خلال أفواه راكبيها المنسيين. تطلع رامي إلى الوراء، فإذا برجل مسن يحني رأسه كمن يحمل ثقلاً أبدياً، عيناه العجوزتان مثبتتان عليه، فيهما عتاب لا يموت.

تقدم بخفة، اختلطت خطواته بخفقان قلبه. مد يده، ثم توقف. ما الفائدة؟ جميع الوجوه جامدة، لكنها ليست غريبة تماماً. في كل ملامح هناك أثر من جرح قديم ـ دمعة لم تسكب، كلمة لم تقَل، وداع لم يكتمل. رأى ليلى تضع يدها على زجاج النافذة، ترسم بأناملها اسماً غاب في الضباب.

قالت بصوت مكسور: ـ "إنهم يشبهوننا… أو يشبهون ماضينا المفقود."

ارتخت كتفا طارق، وأطرق يوسف برأسه، أما سارة فغمرت عينيها دمعتان صامتتان. خلفهم، ظل باب الحافلة المغلق يئن تحت وطأة الرياح، كأن العالم كله يختنق بهم في تلك اللحظة.

وللحظة قصيرة، شعر رامي أن البرودة ليست من الهواء وحده، بل من تلك النظرات الجامدة التي تسكن الحافلة وتضمهم إلى طابور الأرواح الصامتة.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش