SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

الركوب المجهول

2 min · الفصل 2/10

كان الليلُ يزداد ثقلاً على القمة، كأن السماء لا تعرف غير أن تجلدهم بسياطها الباردة. وقفت الحافلة الصدئة، رقمها الغريب يلمع كندبة على جبين الزمان، تتحدى الرياح المنتحبة عند الحافة. عند الباب، تراص الأصدقاء تحت وابل المطر، تملأ قلوبهم ريبة الصمت المطبق الذي يلف الحافلة، يقفزون بين الخوف والرغبة في النجاة؛ أيكون بابها خلاصهم أم بداية ضياعهم؟

تقدمت ليلى أولاً، مترددة الخطى، وقلبها يقاوم رعشة قديمة. همست، ونبرة التهكم تخفي ذعرها: "أتظنون أن في الداخل دفئاً أكثر من هذا الجحيم الأبيض؟" لم يجبها أحد. كان الكل يشعر بثقل الحافلة على صدورهم، وكأنها كائن يراقبهم بنظرة خفية.

بادر يوسف، يمسح نظارته التي لطمها المطر: "العقل يقول إن البقاء في الخارج جنون. لنجرب الحافلة، فربما نجد مأوى ولو مؤقتاً." نظرت إليه سارة، تحمل في عينيها رجاء متعباً: "ليس أمامنا خيار... لنصعد معاً، ولنغلق الباب خلفنا على الأقل من الريح."

تسللوا إلى الداخل، خطوة إثر خطوة. رائحة العتق والغبار تنهش الأنفاس، والمقاعد الممزقة تصرخ من صمت طويل. لم تكن الحافلة فارغة: على مقعدين أماميين جلس شخصان، جامدي الجسد، يُخفي ظلهما بعض معالمهما. وجهان بلا تعبير، عيون مفتوحة كأنها تنظر إلى عالم آخر، أيدٍ مسترخية على الأرجل، وصدر يرتفع وينخفض ببطء مريب.

وقف رامي في الممر، يسند رأسه إلى المقعد الأقرب، وصوته يخرج مشروخاً: "مساء الخير... هل تسمعاننا؟" لم يتحركا. ولا حتى رمش جفن.

داخل الحافلة، بدا الجو أبرد من الخارج، كأن الجدران نفسها تتنفس ضباباً. نظرات طارق الحادة لم تفارق الراكبين. زفر بقوة، ثم اقترب من الباب يحاول فتحه. تحسست أصابعه المقبض، فوجده قد انغلق من تلقاء نفسه، بلا صوت أو سابق إنذار.

قال يوسف، بصوت خافت يتسلل من بين أسنانه: "الباب لا يستجيب. الأمر ليس طبيعياً." تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، تهمس: "أهذا فخ... أم نحن ضائعون في حلم ثقيل؟"

تقدمت سارة، يملؤها خوف أمومي خفي، ومدت يدها إلى كتف أحد الراكبين الجامدين. لم يستجب. قالت بصوت مرتجف: "إنهم... كأنهم تماثيل." وفي تلك اللحظة علا أزيز خافت، كأن الحافلة تهمس بسرها إلى الركاب الجدد، ثم خمد كل شيء فجأة.

جلسوا أخيراً، متلاصقين كأنهم يطلبون الدفء من حضور بعضهم. كان الظلام في الزوايا يزداد كثافة، وأضواء الحافلة تومض وتخبو كأنها تحتضر. صمتت الريح خارج الزجاج، وحل محلها صمت داخلي أثقل، يمتد بين الأصدقاء كجدار من المجهول.

تمتم رامي، كمن يحدّث نفسه: "لا سبيل للخروج... الحافلة اختارتنا أو نحن اخترناها؟"

تبدلت ملامح ليلى، تحول تيهها إلى غضب فجائي: "هذه خرافة! لا شيء اسمه الأبواب التي تُغلق وحدها... أحدكم يمزح، صح؟" رفع طارق حاجبه بهدوء قائلاً: "ليس ثمة وقت للمزاح، ليلى. ما يجري أكبر منّا."

في الزاوية، انعكست عينا يوسف على زجاج نافذة غطتها آثار أيدٍ قديمة. همس: "أشعر أن أحدهم يراقبنا من الخارج... أو من الداخل." ارتعدت سارة، وقبضت على يد رامي دون أن تنتبه. قالت بنبرة منكسرة: "ربما كان علينا أن نبقى في العاصفة..."

ساد الصمت ثقيلاً. كل فكرة عن النجاة تبخرت، وكل أمل صار شظية برد في القلب. كان كل واحد منهم يسمع دقات قلبه كطبول بعيدة، بينما تواصل الحافلة احتضانهم في بردها الأبدي، وتبث في أعماقهم شعوراً لا يمكن رده: هنا يبدأ التيه، وهنا لا خلاص إلا بالمواجهة. وتوقفت اللحظة، معلقة بين العاصفة في الخارج، وجحيم الحافلة في الداخل.

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش