عاصفة على القمة
2 min · الفصل 1/10
لم تكن تلك الليلة كسائر الليالي؛ فقد اختلط سوادها بنداءات الريح، وصار الضباب يلف قمة الجبل برداء كثيف، حتى بدا العالم خارجاً عن حدود المعقول، منسياً بين الصخور والغيوم السوداء. بدت القمة موحشة، وقد اجتمع حول سيارتهم الصغيرة خمسة أصدقاء دفعتهم الصدفة أو لعنة القدر إلى مواجهة غضب الطبيعة وعزلتها القاتلة.
وقف رامي عند مقدمة السيارة المعطلة، يحدق في الفراغ، لمعت عيناه تحت ضوء البرق، كأنما يستنطق المدى البعيد عن مخرجٍ لم يتضح في الأفق. لم تكن يداه ترتجفان من البرد وحده، بل من شعور دفين بزحف الخطر الذي لا اسم له.
خلفه، كانت سارة تزرع كلماتها الهادئة بين صرخات الرياح، محاولة أن تهدئ من روع ليلى التي راحت تهز قبضتيها في الهواء، غاضبة من كل شيء: من العاصفة، ومن الحظ، ومن نفسها.
قال يوسف، وهو يكتم رجفة صوته خلف هدوء ظاهري: – يجب أن نبحث عن مأوى، السيارة لن تتحمل الريح أكثر. قالت ليلى ساخرة: – وهل سنزرع مأوى من الهواء؟ الجبل لا يرحب بالغرباء.
قطع طارق الصمت بنبرة جامدة: – هناك نور بعيد... انظروا.
تسللت الأنظار تحت زخات المطر، حتى برزت في الضباب أضواء خافتة، تومض ثم تخبو على وقع العاصفة. لم يكن مصدرها واضحاً: هل هي بيت منسي فوق القمة؟ أم سراب من قلب العتمة؟
تحركوا معاً، خطاهم تغرق في الطين، أنفاسهم تختلط بهدير الريح، والظلال السوداء ترقص حولهم على صفحات الصخور. بدا المشهد كأنه جزء من حلم ثقيل، أو كابوس ممتد لا فكاك منه.
قالت سارة هامسة: – أشعر أننا نقترب من نهاية العالم... رد يوسف بسخرية جافة: – بل نحن في قلبه، ولا عزاء للباحثين عن المنطق.
ازدادت الأضواء وضوحاً مع اقترابهم، حتى ظهرت أمامهم حافلة قديمة، غريبة عن المكان والزمان، أحنت ظهرها تحت المطر، وتدلى منها رقم ثلاثة عشر كأنه علامة على عبور لا عودة منه. التصق المعدن بالصدأ وغطت النوافذ آثار أيدٍ باهتة، بينما المصابيح الأمامية تومض في وجه الريح.
قال رامي، وصوته يختلط بالخوف والرجاء: – هل هذه فرصة للنجاة أم فخ آخر؟
وقفت المجموعة في صمت ثقيل. كل شيء حولهم ينبض بالغربة والانطفاء. كان الضباب يلتهم أصواتهم، والبرد يعض عظامهم، فلا مأوى لهم سوى ذلك الهيكل المجهول. ارتفعت الرياح، وبدت الحافلة وكأنها تهمس بدعوة غامضة، لا تحمل وعداً سوى بمزيد من العتمة.
قالت ليلى، وهي تحدق في الرقم المائل على مقدمة الحافلة: – ثلاثة عشر... رقم النحس. أجاب طارق بخفوت: – أحياناً لا نختار باب النجاة، بل يختارنا هو.
لم يكن أمامهم سوى المضي، أو الهلاك على حافة القمة المنسية. هكذا، في لحظة بين الرهبة والرجاء، قرروا الاقتراب أكثر، بينما اشتدت العاصفة، وتقدمت الحافلة القديمة بظلها نحو أعماق مصائرهم.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش