عتبة الكنيسة
3 min · الفصل 5/8
الريح تعصف في الخارج، كأنها تجرّ خلفها أرواح القرية المنسية، تدور حول الكنيسة الحجرية التي وقفت شامخة وسط السهوب، رغم ما أكلته الرمال من جسدها. وقف سامي الكيلاني أمام الباب العتيق، يحدق في النقوش الباهتة التي تلتف حول المقبض النحاسي. تردد للحظة، ثم التفت إلى ليان التي وقفت بجانبه، يداها تقبضان على الكاميرا كأنها طوق نجاة أخير.
همس سامي، وصوته بالكاد يُسمع وسط العاصفة: "لا مجال للعودة الآن."
أومأت ليان، عيناها تلمعان بالخوف والإصرار معاً. مد سامي يده، دفع الباب بكل ما أوتي من قوة، فصدر عنه أنين عميق، كأنما يفتح قبراً ظل مغلقاً لقرون. اندفع هواء بارد من الداخل، يحمل معه رائحة تراب قديم وذكريات لم يعد أحد يجرؤ على ذكرها.
داخل الكنيسة، كان الظلام كثيفاً، تخترقه خيوط ضوء شاحبة تتسلل عبر الزجاج المحطم. انتصبت التماثيل على الجدران، وجوهها مطموسة بفعل الزمن، وأجراس ساكنة تتدلى من السقف كأنها تنتظر حكماً لم يصدر بعد. الأرضية الخشبية تصدر صريراً تحت أقدامهما، وكل خطوة تُوقظ صدىً غامضاً في أرجاء القاعة.
تقدما بحذر، يقتربان من المذبح الحجري في صدر الكنيسة. فجأة، دوّى صوت الريح من نافذة محطمة، فأغلق الباب خلفهما بقوة، ارتج المبنى كله، وتردد صدى الإغلاق كجرس إنذار أخير. تجمدت ليان في مكانها، وهمست: "أشعر أن أحدهم يراقبنا..."
لم تكد تتم عبارتها حتى بدأت الظلال تتراقص على الجدران، تزداد كثافة وتكتسب ملامح بشرية باهتة. من بين الأعمدة، ظهرت امرأة ترتدي ثوب زفاف أبيض، شعرها منسدل، وعيناها دامعتان. توقفت أمامهما، يعلو وجهها حزن عميق، وصوتها يخرج كالأنين:
"جئتما رغم التحذير... لم تصغيا لصوت الريح ولا لصدى الخطايا. هنا، لا تُفتح الأبواب إلا لمن يواجه نفسه."
تبادل سامي وليان نظرة سريعة، يعرفان أن من أمامهما ليست سوى سلمى، الشبح الذي يتردد اسمه في كل زاوية من القرية. اقتربت سلمى بخطوات مترددة، ترفع يدها كأنها تشير إلى دائرة النقوش حول المذبح.
قالت، ونبرة صوتها تحمل رجاءً وتهديداً معاً: "الدائرة لا تبدأ إلا بالدم، ولا تنتهي إلا بالتضحية. في الليلة التي اختفت فيها القرية، عمّ الظلم، فعلقنا جميعاً في دائرة لا تنكسر إلا بالاعتراف. من منكما يجرؤ أن يواجه ظله؟ من يملك شجاعة الفداء؟"
في تلك اللحظة، ارتجت أجراس الكنيسة رغم سكونها، وامتلأت القاعة بأصوات باكية، تتداخل فيها أسماء وكلمات مبهمة. أحس سامي أن جدران الكنيسة تضيق عليهما، وأن الزمن نفسه بدأ يتباطأ.
من زاوية الهيكل، ظهرت نورهان، الطفلة ذات الشعر الذهبي، عيناها تلمعان في العتمة كمرآتين تعكسان كل ما خفي. تقدمت بخطى واثقة، رفعت يدها الصغيرة وأشارت إلى سامي:
"حان الوقت... خيارك سيقرر مصير الجميع. الاعتراف وحده يفتح الباب، والهروب يمدد دائرة الألم لسبع سنوات أخرى."
شعر سامي بقشعريرة تسري في جسده. فجأة، تسللت إلى ذهنه صور من ماضيه: وجه والده الملطخ بالدماء، دفتر الذنوب الذي لم يجرؤ على فتحه من قبل، وصوت الشيخ صادق يردد: "الخطيئة لا تموت...".
نظر إلى ليان، فوجد في عينيها بريق خوف قديم، وحنين إلى أختها التي لم تعد. قالت ليان بصوت متهدج، يحمل صدقاً لم تعرفه من قبل: "لا يمكننا الهرب من أنفسنا، سامي. كل ما أنكرناه ينتظرنا هنا."
اقترب سامي من سلمى، عينيه تدمعان: "أنا مستعد... ليبدأ كل شيء بي، وليكن الاعتراف مفتاح الخلاص."
في تلك اللحظة، تعالت همسات الأشباح، وبدأت ظلال سكان القرية تدور حولهما، أصواتهم تتداخل مع دقات الساعة التي عادت تتحرك ببطء نحو الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة. أضاء ضوء خافت فوق المذبح، وانكشفت أمام سامي وليان رؤى من طفولتيهما، لحظات الخوف، الذنب، والأمل الضائع.
انغلقت أبواب الكنيسة بإحكام، وبدأ الضباب يتكاثف تحت القبة، كأن المكان يستعد لطقس لا مفر منه. أدرك كلاهما أن لحظة الاعتراف اقتربت، وأن ما سيحدث هنا سيقرر مصيرهما ومصير القرية كلها.
في صمت ثقيل، تقدما معاً نحو المذبح، بينما تتكثف الظلال، وتشتد همسات الماضي، إيذاناً ببدء الطقوس النهائية تحت قبة الكنيسة.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش