دائرة الزمن
2 min · الفصل 3/8
تقدّم سامي وليان ببطء في ساحة القرية، حيث دائرة الزمن ترقد وسط النقوش الغامضة، والساعة العتيقة تعلو الأعمدة المتهالكة، عقاربها جامدة عند الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة. بدا الهواء ثقيلاً، كأن أنفاس القرية محبوسة منذ دهور، وكل شيء ساكن إلا أصوات خافتة تتردد بين الجدران.
همس سامي وهو يحدق في ظلّه الممتد فوق النقوش: "أشعر كأننا نعيد الخطوة ذاتها مراراً. الريح، الدقات، حتى ظلالنا… كل شيء يتكرر."
أجابت ليان، تمسح عدسة كاميرتها المرتجفة: "رأيت سلمى هناك قبل قليل… ثم اختفت. الآن أراها ثانية، في المكان نفسه. هل نحن عالقان في مشهد لا ينتهي؟"
في تلك اللحظة، ظهرت سلمى مجدداً عند حافة الدائرة، ثوبها الأبيض يرفرف كضباب عالق بين زمنين، وعيناها تلمعان بوميض حزن لا يشيخ. تقدّمت نحوهما بلا صوت، والبرد يسبقها، همست: "أنتم هنا لأنكم لم تعترفوا بعد… في هذه الدائرة، كل ذنب يصبح دقيقة ميتة. وكل دقيقة ميتة تعيدنا إلى البداية."
تبادل سامي وليان نظرة توجس. سأل سامي، يحاول تمالك صوته: "أي ذنب؟ ولماذا لا ينتهي هذا الدوران؟"
ضحكت سلمى ضحكة واهنة، كأنها تخرج من قاع بئر: "هنا، الزمن يدور حول نفسه. كل سبع سنوات تعود القرية، وتعود معها الذنوب القديمة. من لم يعترف، يبقى عالقاً بين الظلال."
فجأة، دوّى في الساحة صدى بكاء وأنين، وظهرت أشباح سكان القرية المنسيين، وجوههم باهتة بلا ملامح، يحدّقون في سامي وليان بعيون مطفأة. أحدهم، بصوت متهدج، صاح: "أنقذونا من دوران الخطيئة! نحن منسيّو السهوب!"
ارتجفت الأرض تحت أقدامهما، وبدأت النقوش تضيء بضوء أزرق بارد، كأن الزمن يتكاثف من حولهما. شعر سامي بذاكرته تتشوش، صور من طفولته تومض فجأة ثم تتلاشى، ووجوه لم يعرفها من قبل تتداخل مع ملامح والده المفقود.
تمسكت ليان بذراع سامي، صوتها يرتجف: "سامي… أشعر أنني أنسى من أكون. البارحة تختلط بالغد، وكل شيء يتلاشى."
رد سامي، يضغط على دفتر ملاحظاته كمن يتشبث بآخر خيط للواقع: "يجب أن نجد الإجابة. الكنيسة… لا بد أن هناك شيئاً ينتظرنا هناك."
من بعيد، ترددت همسة سلمى، صوتها شفاف كنسمة ليل: "احذروا الباب… من يدخل الكنيسة بلا اعتراف، لا يعود ذاته."
تراجعت ليان خطوة، عيناها متسعتان: "هل نحن أحياء… أم مجرد ظلال في كابوس أحدهم؟"
أجاب صدى الساحة، متداخلاً مع أصوات الأشباح: "أنتم دائرة لم تكتمل… أنتم بين بين."
تزايد الضباب حول الكنيسة، وأخذت الأصوات تدور في حلقة لا تنتهي. شعر سامي أن الزمن ينكمش ويتسع في اللحظة نفسها، وأن ماضيه يقترب منه كما لو كان يسعى لمواجهته أخيراً. خطر له أن الخلاص لا يكون إلا بالاعتراف، كما لمّحت سلمى، وأن كل خطوة تقرّبه من قلب الدائرة، ومن حقيقته التي طالما هرب منها.
شدّ على يد ليان، وقال بحزم خافت: "لن ندع هذا المكان يبتلعنا. سنجد الطفلة… ربما عندها المفتاح."
ومع آخر ومضة من ضوء النقوش، توجها معاً نحو بيت الطفلة عند طرف القرية، حيث تلوح نافذته بضوء خافت وسط العتمة، يفتح باباً جديداً للأسئلة والرجاء.
(يتبع في الفصل التالي: مرآة الذنوب)
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش