SIROVANX
ابدأ الكتابة
آخر راكب في الحافلة رقم 13

نهاية أم لعنة؟

2 min · الفصل 10/10

خرج رامي من الحافلة كمن ينفصل عن نفسه، يغمره ظلامٌ أعمى يبتلع كل ما حوله. الريح على قمة الجبل حادة، تحمل نواحاً لا يسمعه إلا من مُسّت روحه بنار الندم. وحده رامي، بين صقيع الذكرى ووجع التضحية، خطا خطوة واحدة فسمع دويّ الباب يُغلق خلفه، وكأنّ قيداً انكسر دون أن ينفك من قلبه شيء.

من داخل الحافلة، التصقت وجوه الأصدقاء بالنافذة، عيونهم دامعة وغائمة، تراقب ظلّه يبتعد. قالت سارة بصوت متهدج: – "رامي... لا تذهب، عد إلينا، لا تتركنا وحدنا." لكنه لم يلتفت. كان يشعر بثقل كل دمعة سقطت من عيونهم، لكنها لم تخفف شيئاً من حِمل صدره.

قال يوسف وهو يشد قبضته على المقعد: – "كان يمكن أن نجد طريقاً آخر... كان يجب أن أحسب الأمور أفضل." ردّت ليلى، بمرارة حارقة: – "لا أحد يحسب حساب الذاكرة حين تصير هي الطريق الوحيد."

توقف رامي عند حافة المنحدر؛ العالم كله يبدو الآن هجراً وصدى. صرخ صرخة متكسرة، لم ترتدِ سوى ثوب الريح والعتمة، ثم هوى جاثياً على ركبتيه. رأى صورة والده، مشتبكة مع وجهه في مرايا الليل، تناديه من قاع الصمت: – "كل تضحية لا تعيد الزمن، لكنها تفتح باباً في القلب لا يُغلق أبداً."

داخل الحافلة، بدأ الركاب الجامدون يتلاشون، واحداً تلو الآخر، كأن الموتى أنفسهم قرروا الرحيل. المقاعد الفارغة تسحب عنهم آمال الرجوع، فتخلف وحشة أثقل من الموت ذاته. انفتح الباب فجأة، بلا صوت، كأن الهواء أعيته كل الحكايات، فهب الأصدقاء خارجين إلى الجبل، يجرّون ظلالهم كأكفان من ضباب.

وقف الأربعة بين الصخور، يتنفسون الحرية التي لا تشبه الحياة. سارة تمسك يد ليلى، ودموعهما تسيل بلا خجل: – "هل انتهى كل شيء؟" همست ليلى: – "بل بدأ كل شيء من جديد..."

وحده يوسف حدق في الحافلة، رأى انعكاس وجهه في زجاجها المعتم، وسأل بصوت خفيض: – "هل تركنا اللعنة هناك؟ أم انتزعتها منا لتسكننا للأبد؟"

طارق، الذي ظل صامتاً طويلاً، نظر إلى أصدقائه، ثم إلى الجبل يلتف عليهم كعباءة من كآبة: – "ما عاد شيء كما كان... نحن الآن غرباء حتى عن أنفسنا."

هبّت الرياح بقوة، ناشرة بين صخور القمة أصداء ضحكات قديمة، وصيحات مرعوبة، وأنين طفولة مقهورة. كل واحد منهم شعر أن الطريق إلى أسفل الجبل أطول من أعمارهم، وأن ما عاد يثقلهم هو الذكرى وحدها، بل عجزهم عن مغادرتها.

انطفأت أضواء الحافلة رقم ثلاثة عشر، وغاصت في الضباب. في قاع السماء، انتشرت الغيوم ككفن أبيض، وما بقي للنجاة إلا وجع في الأعماق، وسؤال لم يجد صداه: هل يمكن للإنسان أن يترك لعنته وراءه، أم أنه محكوم أن يحملها معه، إلى حيث لا سبيل للعودة؟

في صمت القمة، ترددت الإجابة همساً لا يسمعه إلا من ذاق وحشة الفقد: ربما اللعنة، ليست سوى ظل القلب حين يرفض أن يغفر...

التعليقات

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش