القرار الذي لا عودة منه
4 min · الفصل 2/5
كبر سالم وهو يسمع الحكاية ذاتها تتردد على ألسنة الجميع.
البيت.
الاختفاء.
والباب الذي لا يُغلق.
لكن شيئًا بداخله كان يرفض تصديق كل ذلك.
لم يكن شجاعًا أكثر من غيره، ولا متهورًا بطبيعته، بل كان يحمل لعنة من نوع آخر... فضولًا لا يهدأ.
كان يؤمن أن لكل أسطورة أصلًا، ولكل لغز تفسيرًا، وأن الخوف غالبًا ما يولد من الجهل.
ولهذا، كلما حذره أحد من الاقتراب من البيت، ازداد اقتناعًا بأن خلف تلك القصص سرًا يستحق الاكتشاف.
عمل سالم مصورًا في القرى المجاورة. كان يوثق الأعراس، والاحتفالات، والمناسبات الصغيرة، ثم يعود آخر الليل محملًا بالصور والقصص.
ومع مرور الوقت، تطور شغفه بالتصوير إلى شيء أكثر غرابة.
أصبح يطارد الأماكن المهجورة.
البيوت المنسية.
المباني التي هجرها أصحابها.
وكان يقول دائمًا:
"الأماكن الصامتة تتحدث أكثر من البشر."
في إحدى الليالي، وبينما كان يراجع أرشيفه على حاسوبه، توقفت يده فجأة.
ظهرت صورة قديمة التقطها قبل سنوات من أطراف الغابة الشمالية.
وفي زاوية الصورة، ظهر البيت.
بعيدًا.
مظلمًا.
صامتًا.
لكنه بدا وكأنه ينظر إليه.
ظل سالم يحدق في الصورة طويلًا.
ثم همس:
"ماذا لو كانت القصة كلها مجرد كذبة قديمة؟"
في صباح اليوم التالي، توجه إلى منزل أكبر رجال القرية سنًا.
العم حمد.
الرجل الذي شهد زمن الاختفاءات.
وجلس أمامه مباشرة.
قال سالم:
"أريد أن أعرف الحقيقة."
رفع الرجل العجوز عينيه ببطء.
كانت نظراته متعبة، كأنها تحمل سنوات من الخوف.
ثم سأله:
"أي حقيقة؟"
قال سالم:
"حقيقة البيت."
ساد الصمت.
طويلًا.
ثقيلًا.
حتى إن سالم ظن أن الرجل لن يجيب أبدًا.
وأخيرًا تنهد العم حمد وقال:
"المشكلة ليست فيما تعرفه عن ذلك البيت..."
ثم توقف.
"...بل فيما لا تعرفه."
ابتسم سالم ابتسامة خفيفة.
"كل شيء يمكن تفسيره."
لأول مرة تغيرت ملامح العجوز.
نظر إليه بعينين غريبتين وقال:
"إذا دخلت هناك... لا تثق بعينيك."
ارتجف شيء خفي داخل سالم.
لم تكن الكلمات مخيفة.
لكن الطريقة التي قيلت بها جعلتها تبدو كتحذير صادر من شخص رأى الجحيم بنفسه.
سأل سالم:
"هل دخلت البيت يومًا؟"
أشاح الرجل بنظره بعيدًا.
ولم يجب.
وعندما نهض سالم للمغادرة، قال العم حمد بصوت خافت:
"بعض الأماكن لا تريد أن تُكتشف يا بني..."
ثم أضاف:
"هي تريد أن تجد من يدخل إليها."
توقف سالم عند الباب.
لكنه لم يلتفت.
لأنه كان قد اتخذ قراره بالفعل.
في تلك الليلة، جهز حقيبته.
كاميرته الاحترافية.
مصباحًا قويًا.
بطاريات إضافية.
جهاز تسجيل صوتي.
وزجاجة ماء.
لم يكن يشعر بأنه ذاهب إلى مغامرة.
بل إلى مهمة.
مهمة ستضع نهاية لخرافة عمرها عشرات السنين.
نظر إلى ساعته.
كانت تشير إلى الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
ابتسم لنفسه وقال:
"ساعتان فقط... ثم أعود."
خرج من منزله بهدوء.
كانت القرية نائمة.
النوافذ مظلمة.
والسماء مغطاة بقمر مكتمل ألقى ضوءًا فضيًا فوق الطريق الترابي.
كل شيء بدا طبيعيًا.
حتى وصل إلى حدود الغابة.
وهناك...
تغير كل شيء.
اختفى صوت الرياح.
سكتت الحشرات.
حتى أوراق الأشجار توقفت عن الحركة.
وكأن العالم كله...
حبس أنفاسه.
توقف سالم.
شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده.
لم يكن أمامه أي حاجز.
لكن شيئًا داخله أخبره أن هناك خطًا غير مرئي.
إذا تجاوزه...
فلن يعود كما كان.
تنفس بعمق.
وضغط على الكاميرا.
بدأ التسجيل.
ثم تقدم.
خطوة.
ثم أخرى.
ودخل الغابة.
كلما توغل أكثر، ازداد شعوره بأن هناك شيئًا يراقبه.
لم يرَ أحدًا.
ولم يسمع شيئًا.
لكن الإحساس كان حقيقيًا بصورة مرعبة.
بعد دقائق طويلة، بدأت ملامح البيت تظهر بين الأشجار.
ببطء.
كشبح يخرج من الظلام.
وعندما أصبح أمامه بالكامل...
توقف قلبه للحظة.
كان البيت أكبر مما تخيل.
وأكثر كآبة.
لكنه لم يبدُ مهجورًا.
بل بدا...
مستيقظًا.
رفع الكاميرا وصوّر الواجهة.
قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
"أنا الآن أمام البيت... ولا يوجد أي شيء غير طبيعي."
لكن صوته المرتجف فضحه.
اقترب أكثر.
ورأى الباب.
كان مفتوحًا قليلًا.
يتحرك ببطء شديد.
دون أن يصدر أي صوت.
وكأن أحدًا...
فتح الباب للتو.
ابتلع ريقه.
مد يده.
ولمس الخشب البارد.
وفي اللحظة التي لامسته فيها أصابعه...
توقف كل شيء.
الهواء.
الأصوات.
حتى الزمن نفسه.
شعر كأنه يقف خارج العالم.
كأن البيت...
كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا.
انتظر...
ثم دفع الباب.
وانفتح.
خرجت رائحة غريبة من الداخل.
ليست رائحة عفن.
ولا رائحة مكان مهجور.
بل رائحة شيء قديم جدًا...
شيء بقي مغلقًا لزمن أطول مما ينبغي.
رفع المصباح.
سلط ضوءه على الأرض.
الغبار يغطي كل شيء.
إلا منطقة واحدة.
آثار باهتة على الأرضية.
كأن أحدًا...
يمشي هنا باستمرار.
تجمد في مكانه.
ثم أجبر نفسه على الابتسام.
"ربما حيوانات..."
لكن صوته لم يكن مقنعًا حتى بالنسبة إليه.
أخذ نفسًا عميقًا.
وتقدم إلى الداخل.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
وخلفه...
أغلق الباب ببطء.
دون أن يصدر صوتًا واحدًا.
التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش